بقلم: سيمون نصيف | باحث دكتوراة في السياسات العامة
في فلسفة الحكم، يُعتبر القانون أداة لترسيخ السلم المجتمعي، إلا أن قانون تقسيم الدوائر الانتخابية الأخير وضع نفسه في قفص الاتهام، ليس فقط بمخالفة معايير العدالة الجغرافية، بل بتهمة أشد خطورة
وهي تكدير السلم العام، إن رسم الحدود الانتخابية ليس مجرد عملية فنية، بل هو هندسة اجتماعية
أيضاً قد تؤدي إلى الوئام أو تفتح أبواب الجحيم القبلي والجغرافي، ويبرز نموذج “الدائرة الرابعة”
بمحافظة سوهاج كدليل إدانة صارخ على كيفية تحول العملية الديمقراطية إلى فتيل لإشعال الفتن
وهدم التماسك المجتمعي إن “تكدير السلم العام” ليس مجرد مصطلح قانوني فضفاض، بل هو واقع نعيشه
حينما تتحول الخرائط الانتخابية إلى ألغام اجتماعية تفجر صراعات قديمة وتؤجج نعرات قبلية وجغرافية
ظن الجميع أنها اندثرت.
ففي قلب محافظة سوهاج، تم دمج ثلاثة من أكبر المراكز وأكثرها ثقلاً تاريخياً وقبلياً في دائرة واحدة
وهي مراكز (طما، طهطا، وجهينة)
هذا الدمج لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل كان بمثابة إقحام لثلاث كتل بشرية ضخمة ومتباينة
في “عنق زجاجة” انتخابي واحد، لطالما كان لكل مركز منهم خصوصيته، لكن تقسيم الدائرة الرابعة في سوهاج
جاء ليصهر ثلاثة من أكبر وأعرق مراكز المحافظة في بوتقة واحدة، وهذا الدمج لم يراعِ الطبيعة الديموغرافية
أو الحساسيات القبلية، بل وضع كتل بشرية ضخمة في حالة تصادم مباشر على ثلاثة مقاعد برلمانية.
إن هذا التقسيم الغريب يضع علامات استفهام كبرى حول المعايير التي استند إليها المشرع
لقد تحول الصراع بفعل القانون إلى حرب بقاء، فنحن لا نتحدث هنا عن قرى صغيرة
بل عن مراكز تمثل قلاعاً سكانية واقتصادية،
هذا التقسيم الغريب خلق حالة من التنافر، فبدلاً من أن يكون التنافس على البرامج والأفكار، تحول الصراع إلى حرب بقاء مناطقية
حيث يشعر كل مركز أن وجوده السياسي وتمثيله البرلماني مهدد إذا لم يظفر بالمقعد
مما جعل من العملية الانتخابية ساحة للمغالبة لا للمشاركة، فلا يمكن أن ننكر أن دمج هذه القوى الثلاث
يؤدي بالضرورة إلى استنفار قبلي لا تحمد عقباه.
وبلغة الأرقام تتجلى غرابة التقسيم حين نضع الدائرة الرابعة في مقارنة مع إجمالي المحافظة
فسوهاج التي تضم عدداً كبيراً من المراكز الإدارية، وجدت نفسها أمام دائرة شمالية تبتلع ربع المحافظة إدارياً
بينما تُوزع بقية المراكز البالغ عددها تسعة مراكز بمرونة على الدوائر السبع الأخرى
فالمحافظة تضم 3 ملايين و375 ألفًا و700 ناخب وناخبة، موزعين على 8 دوائر انتخابية
بها 598 مركزاً انتخابياً، في المقابل نرى أن الدائرة الرابعة
تضم نحو 745 ألفًا و 768 ناخباً ما يقترب من نسبة ربع المقيدين بالمحافظة وما تبقى موزع على 7 دوائر
وبها 178 مركزاً انتخابياً ما يقارب نسبة ثلاثون بالمائة من إجمالي المراكز الانتخابية بالمحافظة
مما خلق حالة من الشعور بالظلم لدى أبناء “طما وطهطا وجهينة” مقارنة بباقي الدوائر التي تمتعت
بتقسيمات أكثر إنصافاً.
إن أخطر ما جناه هذا التقسيم هو تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب أهلية رقمية
يومياً ومنذ إعلان الترشح،
تحولت صفحات مواقع التواصل الإجتماعي وأكثرها “فيسبوك” الخاصة بأبناء المراكز الثلاثة
إلى منابر لبث الكراهية والنعرات القبلية والمناطقية التي أثرت بالسلب على السلم العام، فهناك تراشق يومي
لا يكاد يمر يوم دون منشورات تذكي روح العداء، حيث يعاير كل طرف الآخر بكثافته التصويتية أو نفوذه
أو اختلاق الشائعات والفتن، مما بنى حواجز نفسية وجغرافية بين أبناء المراكز الثلاثة
إن ما حدث أدي بشكل صريح إلى تحطيم الروابط الاجتماعية فهذا الشحن الإلكتروني لم يظل حبيس الشاشات
بل انتقل إلى الدواوين والمجالس، مما أدى إلى شرخ في العصبية الإيجابية التي كانت تجمع أبناء
سوهاج، واستبدالها بخصومة قد تستمر لسنوات وعقود
وكانت النتيجة تكدير السلم فإن تحويل التنافس السياسي إلى معركة جغرافية قبلية هو أقصر طريق
لهدم السلم العام، وزرع الفتنة.
لقد كشفت نتائج الحصر العددي والواقع العملي في هذه الدائرة عن حقيقة وأمر واقع
لقد أصبحت الدائرة الرابعة دائرة حزبية بنسبة 100% ، هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل هي شهادة
وفاة للعمل السياسي الفردي (للمستقلين) ، ففي دائرة بهذا الاتساع الجغرافي (3 مراكز شاسعة)
وهذا التعقيد القبلي أصبح من المستحيل على أي شخص مهما بلغ ثقله الشعبي، أو نزاهته، أو تاريخه الخدمي
أن يصل إلى المقعد البرلماني بمفرده، فلا يستطيع المستقلين الصمود في المعركة الانتخابية في الدوائر المتسعة
لعدة عوامل أهمها:
غياب التنظيم المساند فلكي تغطي 3 مراكز كبرى، تحتاج إلى ماكينة انتخابية جبارة، لا يمتلكها إلا تنظيم
حزبي مساند يمتلك الكوادر اللوجستية المؤهلة، وأيضاً عامل تفتيت الكتل التصويتية فالمرشح المستقل
مهما كان قوياً في مركزه (مثلاً في جهينة)، يجد صوته يتلاشى أمام التحالفات الحزبية العابرة للمراكز
التي تستطيع تجميع الأصوات من “طما وطهطا” معاً.
في وجهة نظري أرى أن هذا التقسيم جائراً حينما يؤدي إلى تكدير السلم العام، واليوم، نجد أن تقسيم الدائرة
الرابعة بسوهاج قد حقق هذا الشرط السلبي بامتياز عبر إحياء العصبية الجاهلية بإجبار غالبية الناس
على التخندق خلف المركز بدلاً من البرنامج، وبناء الحواجز بين الأشقاء حينما يشعر ابن طهطا أن تمثيله النيابي
مرهون برضا كتلة تصويتية في طما، يتولد حقد جيوسياسي يهدد استقرار المحافظة.
ولكي يسقط اتهام “تكدير السلم العام” عن قانون التقسيم، وجب على الجهات التشريعية
والدولة التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها من خلال:
فك الاشتباك الجغرافي بضرورة فصل المراكز الثلاثة (طما، طهطا، جهينة) لضمان أن يمثل كل نائب مجتمعاً
محلياً يعرفه ويلمس مشاكله، وتحقيق العدالة للجميع فلا يعقل أن تظل السبعة دوائر الأخرى ممثلة بشكل مريح
بينما يُترك الشمال في حالة غليان انتخابي دائم، فصندوق الانتخابات لا يجب أن يكون خنجراً لتمزيق النسيج القبلي والاجتماعي.
إن ما حدث في الدائرة الرابعة بسوهاج هو جرس إنذار لكل من يعنيه استقرار وطننا الحبيب، إن الاستمرار
في هذا التقسيم الغريب الذي يغذي الفتن الإلكترونية يومياً، ويحول الدائرة إلى ساحة للحرب والتراشق
هو ضربة في قلب الديمقراطية.
إلى السادة نواب الدائرة الرابعة الناجحون بإرادة شعبية حرة، لقد عانيتم ما ذكرناه، فعلى كاهلكم الخروج
من هذا النفق بالمطالبة بتعديل القانون، فإن العدالة في رسم الدوائر هي صمام الأمان الحقيقي للسلم العام
فإما تقسيم ينصف الناس ويعيد الوئام، وإما إصرار على تقسيم يغذي الفتنة ويجعل من البرلمان نواباً
على أنقاض علاقات اجتماعية ممزقة، سوهاج تستحق الأفضل، وأبناء “طما وطهطا وجهينة”
يستحقون خريطة تجمعهم لا تمزقهم، حفظ الله مصرنا قيادة وجيشاً وشعباً.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
