الأربعاء , يناير 14 2026
أخبار عاجلة
الكنيسة القبطية
ماجد سوس

عبقري الإسكندرية الذي حُوكِم خارج ميزان العدل

ماجد سوس

في تاريخ الكنيسة، هناك العديد ممن تعرّضوا لظلم فكري ولاهوتي إلا أنه لا أحد تعرّض بحجم ما تعرّض له أوريجانوس، ذلك العقل الاستثنائي الذي خرج من قلب مدرسة الإسكندرية ليصير أحد أعظم معلّمي المسيحية في القرون الأولى.

لم يكن أوريجانوس شخصية هامشية، بل منذ صغره أظهر نبوغًا استثنائيًا في دراسة الكتاب المقدس

حتى إن والده كان يفتخر به ويشجّعه على الحفظ والدراسة العميقة. بعد استشهاد والده، تحمّل أوريجانوس مسؤولية إعالة أسرته، وانصرف إلى التعليم والزهد الشديد. بحسب شهادة يوسابيوس القيصري،

ترأس مدرسة الإسكندرية وهو في سنٍ الثامنة عشر، وحمل على عاتقه مشروعًا علميًا ولاهوتيًا ضخمًا

لم يُعرف له مثيل في عصره.

بعد قرنين من نياحته تمت محاكمة أفكاره، وهو أمر غير منطقي حيث تم تقييم أفكاره بمعايير المجامع اللاحقة

أو بالتصنيفات العقائدية المكتملة في القرنين الرابع والخامس، وذلك لأنه كتب في مرحلة تأسيسية

كان فيها اللاهوت المسيحي في طور التشكّيل كرأيه في أزلية النفوس أو الاسترداد الشامل – رحمة الله للجميع –

فمنهجه لم يكن تقريرًا لعقائد نهائية، بل ممارسة لاهوتية استكشافية تعتمد الافتراض الفلسفي

(theological hypothesis) بوصفه أداة للفهم، لا تعليمًا كنسيًا ملزمًا

وقد صرّح بنفسه أن الكنيسة وحدها تملك سلطان التعليم النهائي و تجاهل هذا التمييز أدّى إلى خلطٍ غير علمي

بين الفكر اللاهوتي الحرّ

وبين الإيمان الرسولي المستقر، وهو خلط ترفضه المنهجية الآبائية نفسها ومن ثم فإن محاكمته بأدوات

لم تكن موجودة في عصره تمثّل خللًا منهجيًا واضحًا. جزءًا معتبرًا من كتاباته وصلنا عبر ترجمات لاتينية معدَّلة

ما يفرض حذرًا نقديًا قبل الجزم بنسبة بعض الأفكار إليه بصيغتها المتداولة، لقد صرّح أوريجانوس

بنفسه أن هناك من أضاف إلى كتبه أقوالًا لم يكتبها، وحرّف بعض أفكاره، ونقلها خارج سياقها.

وهذا أمر مفهوم في عصر كانت فيه المخطوطات تُنسخ يدويًا، وتخضع للتدخل والتأويل، بل أحيانًا للتشويه المتعمد.

إن تحميله مسؤولية كل ما نُسب إليه دون تمييز بين الأصيل والدخيل هو خطأ علمي فادح، وظلم تاريخي جسيم.

الاستقبال الإيجابي الواسع لفكر أوريجانوس لدى آباء كبار مثل أثناسيوس الرسولي الذي إقتبس من تفسيراته،

وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس النيسي اللذان جمعا مختارات من كتاباته الروحية

في كتاب Philokalia.، وغريغوريوس النزينزي، الذي اعتبره من أعظم معلمي الكنيسة.

كل هذا يؤكد أن الكنيسة المبكرة لم ترَ فيه معلّم هرطق، بل عقلًا لاهوتيًا عميقًا. فلو كان فكره منحرفًا

جوهريًا، لما أصبح مرجعًا تفسيرياً وروحيًا لهؤلاء الآباء الذين شكّلوا قلب الإيمان الأرثوذكسي نفسه.

كما إنه لا يمكن فصل فكر أوريجانوس عن حياته:

ناسك صارم، معلّم متواضع، ومعترف احتمل العذاب من أجل المسيح. هذا الاتساق بين الفكر والحياة يضعف

أي قراءة تختزله في أطروحات فلسفية مجرّدة، ويؤكد أن دافعه الأساسي لم يكن الابتداع، بل البحث الأمين

عن فهم أعمق لإعلان الله. وقد دفع ثمن أمانته للمسيح سجنًا وتعذيبًا في أواخر حياته.

فهل يُعقل أن يُتّهم بالاستهانة بالإيمان من عاشه حتى الألم؟ يكفي أن نذكر “الهيكسابلا”

أضخم عمل نقدي كتابي في للعهد القديم، حيث جمع أوريجانوس نصوص الكتاب المقدس بلغاتها المختلفة

وقارن بينها بدقة مذهلة، واضعًا أسس النقد النصي قبل أن يُعرف هذا العلم بقرون.

رجل بهذا العمق العلمي لا يمكن اختزاله في عبارات مبتورة

أو أفكار منسوبة إليه دون تحقيق. محاكمته، كانت جوهر المأساة. لم يُحاكم بعدل، بل جرت الأمور

في سياق صراعات كنسية وإدارية معقّدة.

فبعد سنوات خدمته الطويلة، نشأت توترات بينه وبين بابا الإسكندرية ديمتريوس

لا بسبب عقيدة مُدانة بوضوح، بل نتيجة تداخل عوامل متعددة: غيرة إدارية من مكانته العلمية الواسعة

اعتراض على رسامته الكهنوتية التي تمت خارج الإسكندرية، وخلافات حول حدود السلطة الكنسية بين التعليم والسلطان الأسقفي.

المشكلة لم تكن في لاهوت أوريجانوس وحده، بل في كونه عالمًا سابقًا لعصره، يتحرك بحرية فكرية

واسعة في زمن لم تكن فيه المصطلحات العقائدية قد استقرّت بعد.

ومع ذلك، لم تُمنح له فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه. لم يُستدعَ ليشرح فكره، ولم يُسمح له بعرض

نصوصه الأصلية، ولا باستدعاء تلاميذه أو علماء معاصرين له، ولم يُعطَ أي حق للاستئناف.

صدرت الأحكام في غيابه، وبنيت على تقارير وتأويلات، لا على مناظرة علمية عادلة.

وأي محاكمة تُدار بهذا الأسلوب، مهما كثر عدد الحكّام أو كثرت التوقيعات على قراراتها، هي محاكمة باطلة

من حيث المبدأ.

فالعدل لا يُقاس بعدد الأصوات، بل بنزاهة الإجراءات، وسماع الطرف الآخر، وتمكينه من الدفاع عن قصده ومنهجه.

والله، الذي هو العدل المطلق، لا يمكن أن يرضى بمحاكمة تُبنى على الإقصاء أو التشويه.

إن إدانة أوريجانوس بأثر رجعي، وبمعايير لم تكن قد تبلورت في عصره، هو ظلم لا يليق بتاريخ الكنيسة ولا بتراثها العلمي.

لقد كان سابقًا لعصره، فدفع ثمن السبق. والدفاع عنه اليوم ليس تبريرًا لكل فكرة، بل دفاع عن العدالة

وعن العقل في الكنيسة، وعن رجل عظيم ظُلِم… لا لأنه خان الإيمان، بل لأنه فكّر بعمق.

شاهد أيضاً

مطالب الشعب من البرلمان والحكومة

تهنئة قلبية خالصة لمجلس النواب الجديد .. السيد رئيس المجلس والوكلاء والسادة الأعضاء طالبين من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.