واصف ماجد
لم يكن الدكتور مراد وهبة مجرد أستاذ للفلسفة في جامعة مصرية، ولا مفكرًا يكتفي بإنتاج كتب متخصصة تدور داخل الحقل الأكاديمي المغلق، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل ارتبط اسمه به على مدار أكثر من سبعة عقود، مشروع جعل من العقل قضية عامة، ومن الفلسفة أداة اشتباك مباشر مع الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي في مصر والعالم العربي.
برحيله، يغيب واحد من أكثر الأصوات الفلسفية وضوحًا واتساقًا في الدفاع عن التنوير، والعلمانية، والدولة المدنية، ويُفتح في الوقت نفسه ملف إرثه الفكري الذي ما زال حاضرًا في النقاش العام، سواء بالقبول أو الجدل أو الرفض.
من الجامعة إلى المجال العام
وُلد مراد وهبة عام 1926، وعاش قرنًا كاملًا شهد تحولات عميقة في الدولة المصرية والفكر العربي.
ارتبط اسمه مبكرًا بجامعة عين شمس، حيث شغل موقعه كأستاذ للفلسفة، لكنه لم ينظر إلى الجامعة باعتبارها نهاية الدور، بل بدايتها.
كان يرى أن الفلسفة إذا بقيت حبيسة القاعات الدراسية فقدت معناها، لذلك خرج بفكره إلى الصحافة
والندوات والمؤتمرات والحوارات المفتوحة، مؤمنًا بأن المعركة الحقيقية للفيلسوف هي مع المجتمع
لا مع الكتب فقط.
المعجم الفلسفي: توطين العقل
من أبرز إنجازات مراد وهبة الفكرية معجمه الفلسفي، الذي لم يكن مجرد عمل لغوي أو تجميعي
بل محاولة واعية لـ توطين المفاهيم الفلسفية الحديثة داخل اللغة العربية، بعيدًا عن النقل الحرفي
أو الترجمات المرتبكة.
تعامل وهبة مع المصطلح الفلسفي باعتباره أداة تفكير لا لفظًا معزولًا، فحرص على:
ضبط المفهوم في سياقه التاريخي والفلسفي.
ربط المصطلح بإشكالاته الفكرية لا بتعريفات جامدة.
تفكيك الالتباس الشائع بين المفاهيم المتجاورة مثل: العقلانية، التنوير، الحداثة، العلمانية.
بهذا المعجم، أسهم في سد فجوة طالما عانى منها الدرس الفلسفي العربي، حيث كانت المفاهيم
إما منقولة دون تمثل، أو مستخدمة خارج سياقها الفكري.
العلمانية كما فهمها مراد وهبة
احتل مفهوم العلمانية موقع القلب في مشروع مراد وهبة، لكنه كان حريصًا على نزع المفهوم
من الاستخدام الدعائي أو الأيديولوجي.
لم يقدّم العلمانية باعتبارها عداءً للدين، بل باعتبارها نظامًا لإدارة الاختلاف، يقوم على الفصل بين:
الإيمان بوصفه تجربة روحية فردية.
والسلطة السياسية بوصفها شأنًا بشريًا نسبيًا خاضعًا للنقد والمساءلة.
كان يؤكد أن الخطر لا يكمن في الدين، بل في تديين السياسة، وفي تحويل النصوص المقدسة
إلى أدوات حكم، وهو ما اعتبره مدخلًا مباشرًا للاستبداد وإغلاق المجال العام.
رباعية الديمقراطية
قدّم وهبة واحدًا من أشهر مفاهيمه التحليلية وهو ما أسماه «رباعية الديمقراطية»، والتي رأى أنها شروط
لا غنى عنها لأي حديث جاد عن الديمقراطية، وهي:
العلمانية
التنوير
الليبرالية
العقد الاجتماعي
ورفض اختزال الديمقراطية في صندوق الانتخابات، معتبرًا أن غياب أي عنصر من هذه الرباعية
يحوّل الديمقراطية إلى شكل بلا مضمون.
معركة ضد الأصولية
دخل مراد وهبة في مواجهة فكرية مفتوحة مع التيارات الأصولية، واعتبرها نتاجًا مباشرًا لتعطيل العقل، لا تعبيرًا عن الإيمان.
لم يستخدم خطابًا تحريضيًا، بل اعتمد على التفكيك الفلسفي، كاشفًا كيف تقوم الأصولية على:
امتلاك الحقيقة المطلقة.
إلغاء الآخر.
تحويل الفكر إلى يقين مغلق.
وكان يرى أن مسؤولية المثقف لا تكمن في الصمت بدعوى السلامة، بل في قول ما يراه حقًا ولو خالف السائد.
ابن رشد… الجسر الدائم
احتل ابن رشد موقعًا مركزيًا في مشروع وهبة، لا بوصفه شخصية تراثية، بل كنموذج لفيلسوف حاول التوفيق بين العقل والنص.
رأى فيه مثالًا لفكر تم إقصاؤه تاريخيًا، ودفع العالم العربي ثمن هذا الإقصاء قرونًا من الجمود
بينما استفاد الغرب من تراثه في بناء فلسفة الحداثة.
الفلسفة كموقف أخلاقي
ما ميّز مراد وهبة عن كثير من معاصريه هو الاتساق بين الفكر والموقف.
لم يتراجع عن أفكاره تحت ضغط الهجوم أو العزل أو التشويه، ولم يسعَ إلى تسويات خطابية
معتبرًا أن الفيلسوف إن خسر وضوحه خسر مبرر وجوده.
إرث مفتوح للنقاش
برحيل مراد وهبة، لا يُغلق ملفه الفكري، بل يُعاد فتحه.
فمشروعه ما زال مطروحًا للنقاش والنقد والتطوير، ومعجمه الفلسفي ما زال مرجعًا لا غنى عنه
ومعركته من أجل العقل لم تُحسم بعد.
يبقى السؤال الذي تركه مفتوحًا: هل يمكن لمجتمع بلا عقل نقدي أن ينجو؟
جريدة الأهرام الجديد الكندية
