محمد جوهر
«الدولة التي تخاف شعبها،
لن يحميها جيش ولا أيديولوجيا.»
لا تبدأ الثورات حين يفكّر الناس،
بل حين يعجزون عن الاحتمال.
وحين يصبح الصمت خيانةً للنفس،
تغدو الفوضى محاولة أخيرة لقول الحقيقة.
ما يحدث في إيران اليوم لا يمكن اختزاله في توصيف أمني أو مؤامرة خارجية،
بل هو محاكمة تاريخية لفكرة الحكم ذاتها:
كيف تُدار الدولة؟
ولمصلحة من؟
وبأي ثمن أخلاقي وإنساني؟
من الخبز إلى الشرعية: لحظة سقوط الأقنعة
الانتفاضات لا تُصنع في الشارع،
بل في فشل الدولة عن الإجابة.
اقتصاد ينهار لا بفعل العقوبات وحدها،
بل نتيجة سوء إدارة مزمن،
وسلطة تختزل الدولة في جهاز أمني،
وتختزل المجتمع في ملف،
وتختزل العالم في جماعات عنف.
خطاب أيديولوجي يطالب الناس بالصبر،
بينما يطالبهم السوق بالمستحيل.
وحين يفقد المواطن القدرة على العيش،
يفقد النظام حقّ الوعظ.
وحين يصبح القانون أداة قمع،
تتحول الشرعية إلى سؤال مفتوح
لا تُغلقه البنادق.
ما يجري في إيران ليس «شغبًا»،
بل تمرّد على معادلة الطاعة بلا مقابل،
وعلى فرض القوالب والأحكام
بحجة الشرع أو الانتساب.
حروب الشرق الأوسط: من المستفيد من الفوضى؟
في الشرق الأوسط،
لا تبدأ الحروب لأسباب نبيلة،
ولا تنتهي لأسباب إنسانية.
تُدار الحروب هنا بثلاث لغات:
لغة الهوية حين تُستخدم لتفتيت المجتمع.
لغة التطرف حين يُقدَّم كبديل عن العدالة.
لغة المصالح الدولية حين تتحول الشعوب إلى أرقام.
الأنظمة القمعية تحتاج عدوًا دائمًا لتبرير بقائها،
والقوى الكبرى تحتاج توترًا دائمًا لتبرير تدخلها،
وحين يضعف الداخل
تُفتح شهية القوى الأمنية الخارجية للتدخل.
هكذا تُخلق الحروب:
لا من قوة الخصوم،
بل من هشاشة الدولة من الداخل.
صراع الكبار… وتآكل الإنسان
هل تحاول الولايات المتحدة استعادة نفوذها السياسي والاقتصادي المتراجع؟
نعم، ولكن من دون أوهام الرسالة الأخلاقية.
اليوم تُدار الهيمنة بالعقوبات بدل الاحتلال،
وبالفوضى المُدارة بدل الحسم.
في المقابل،
تُجيد روسيا اللعب على حافة الانهيار،
وتبني الصين نفوذها بصمت،
بلا خطب ولا دموع.
أما الشرق الأوسط،
فليس هدفًا بحد ذاته،
بل مساحة اختبار لحدود القوة.
الخاسر الدائم؟
الإنسان،
الذي يُطلب منه أن يموت بصمت،
أو يعيش بلا معنى.
التطرف أم الفساد؟ السؤال المضلِّل
السؤال الحقيقي ليس أيهما أخطر،
بل: كيف يصنع كلٌّ منهما الآخر؟
الفساد يقتل الدولة من الداخل،
والتطرف يقتل المجتمع من الخارج.
وحين يتعانقان،
تسقط الأوطان دون طلقة واحدة.
التاريخ يعلّمنا أن الدول لا تنهار بالحصار،
بل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية،
وحين يُهمَّش الإنسان
ويُعزل ويُحجب عن الكرامة والمشاركة.
العدالة أم المدفع؟
المدفع قد ينتصر في المعركة،
لكنه يخسر الزمن.
أما العدالة،
فقد تُهزم اليوم،
لكنها وحدها القادرة على بناء الغد.
إيران اليوم ليست استثناءً،
بل إنذارًا مبكرًا.
ومن لا يسمع الإنذار،يسمع الانفجارة
شهدتُ هذا من قبل…
رأيته بعيني، ووثّقته بكاميرتي.
كان شاه إيران يملك الجاه والمال،
ودولته من أكبر منتجي البترول،
وجيشه من أقوى الجيوش،
والقصور تمتلئ بالحفلات والليالي الملاح.
لكنني نزلت إلى الشارع الإيراني،
فرأيت الناس يقضون ليلهم
على أرفف الدكاكين،
وفي بيوت دعارة
نجومها من المسنين.
عندها كان السقوط سهلًا.
وامتطى الحكم رجال الآيات،
وما إن استقروا
حتى احتجزوا الدبلوماسيين رهائن،
ورسموا صور القتلة على الجدران،
وسمّوا الشوارع بأسماء الاغتيال.
حين تعجز السياسة، يتكلم الشارع.
وحين يغيب العدل، لا ينتصر أحد.
وأتمنى النصر للشعب الإيراني،
صاحب التاريخ والحضارات،
لا لأوهام السلطة ولا لمدافعها و لا للتدخل الخارجي واجهزه الإستعمار.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
