الخميس , فبراير 5 2026
أخبار عاجلة
جمال رشدى

مركز سمالوط الباكي

بقلم: جمال رشدي

كلاكيت للمرة التي لم نعد نحصيها… نكتب، ونصرخ، ونوثّق، ثم لا شيء. وكأن سمالوط خُلقت لتظل خارج السمع والبصر، خارج الخريطة، وخارج أولويات الدولة. يقول المثل الشعبي: “زمارة على إذن أطرش”… وأنا أكتب كمن يطرق بابًا مغلقًا منذ سنوات، والمسؤول يمرّ أمامه وكأنه لا يرى.

سمالوط اليوم ليست مدينة متعبة فقط… بل مدينة تُستنزف يومًا بعد يوم حتى صارت كأنها “مكان مؤقت للحياة”، لا مكانًا صالحًا للعيش.

هنا تراجع القانون إلى الخلف، وتقدّم الفوضى إلى الواجهة. وهنا تحولت “مركبة التوكتوك” من وسيلة نقل إلى دولة داخل الدولة: يقودها أطفال، ويتحكم بها صغار لم يبلغوا السن القانونية، ويتخذها البعض منصة للفوضى وتجارة الممنوعات، في مشهد لا يحتاج عبقرية لفهم خطورته.

لم يعد السير على الأقدام آمنًا، ولم يعد السير بالسيارة طبيعيًا، بل صار أقرب إلى مغامرة مفتوحة على احتمال

حادث في أي لحظة. والأدهى أن هذا كله يحدث في وضح النهار، أمام الجميع، دون أن تتحرك مؤسسات

الدولة بالقدر الذي يليق بحجم الخطر. وعلى الجانب الآخر، تقف البنية الأساسية كشاهدة على الإهمال:

طرق مكسّرة، شوارع غير آدمية، وممرات ترابية في قلب المدينة، كأننا نتحدث عن قرية منسية لا مركزًا

من مراكز محافظة المنيا.

خذ مثالًا واحدًا: طريق الصفصافية الذي يربط شمال المدينة بجنوبها. طريق يفترض أنه شريان حياة

لكنه تحوّل إلى شريان غبار.

في النهار تتطاير الأتربة حتى تخنق الأنفاس، وفي الليل يصبح الظلام أعمق لأن الشارع ذاته لا يصلح لأن يُسمّى شارعًا.

ثم تأتي القمامة… لا كعرض جانبي، بل كعنوان يومي. أكوام منتشرة في كل مكان، وروائح كريهة لا تُطاق

وكأن المدينة تُعاقَب لأن سكانها يطالبون بالحد الأدنى من النظافة.

وتأتي أزمة الصرف الصحي لتكمل المشهد: شبكات انتهت صلاحيتها، وطفح في أماكن متعددة

ومواطن يُضطر أن يتعايش مع ما لا يمكن لإنسان أن يتعايش معه.

وهنا نصل إلى الحقيقة التي يتهرب منها البعض: الأزمة ليست مجرد تقصير فردي لرئيس مركز أو مجلس مدينة

أو مجلس قروي. بل هي أزمة إمكانيات، وموارد، ورؤية، وإرادة دولة.

لكن… اسمحوا لي أن أضع إصبعًا على جرح أكثر إيلامًا: أين نواب الدائرة؟ أين ممثلو الشعب

في مجلس النواب ومجلس الشيوخ؟

معظم الأسماء التي تتصدر المشهد كانت موجودة في دورات سابقة، وتعرف حجم الجرح، وتعرف أن مشاكل دائرة سمالوط ومطاي لا تحتاج شرحًا ولا “توضيحًا” ولا مؤتمرات، بل تحتاج ضميرًا حيًا، ورؤية، وتحركًا جماعيًا قويًا

يفرض القضية على طاولة الدولة. ولأعضاء الدورة الحالية أقولها بوضوح وبمنتهى الاحترام: اتقوا الله.

هذه أمانة ستُسألون عنها يومًا ما، أمام الله قبل الناس.

فالمواطن هنا لا يطلب المستحيل، بل يطلب أن يشعر أن له من يمثله بحق، لا من يمر على الوجع مرور الكرام.

إن دائرة سمالوط ومطاي بما تحمله من مشاكل متراكمة، ستصبح — شئتم أم أبيتم — عنوانًا ملتصقًا بأسمائكم في ذاكرة التاريخ: إما أن تُذكروا كرجال تحركوا فأنقذوا، أو تُذكروا كأسماء مرّت فوق الألم وتركت المدينة

تغرق وحدها.

وأنا هنا لا أكتب للشماتة في أحد، بل بالعكس… أقولها بوضوح: أتقدم بالشكر للسيد رئيس مركز ومدينة سمالوط الأستاذ عويس الغرياني، ولنوابه والعاملين معه، على ما يبذلونه من جهد واضح، لكن حجم التحديات أكبر بكثير

من إمكانيات مجلس محلي محدود الموارد.

الحل موجود، لكنه يحتاج قرارًا لا “مناشدات”. في ملف التوكتوك مثلًا: المطلوب تقنين حقيقي لا شعارات.

تحديد أعداد لكل منطقة، تمييز كل نطاق بلون واضح، إلزام بالترخيص من مجلس المدينة، منع القيادة

لمن هم دون 18 عامًا، وتحديد مسارات تمنع الفوضى في الشوارع الرئيسية والميادين.

وفي ملف القمامة: لماذا لا يتم التعاقد مع شركة خاصة محترمة، تضع صناديق في كل حي وقرية،

وتوفر سيارات رفع منتظمة، وتنقل المخلفات إلى الظهير الصحراوي مع إنشاء مصنع تدوير تدعمه الدولة؟ مقابل رسوم شهرية واضحة يدفعها المواطن وهو مطمئن أنه يحصل على خدمة حقيقية.

أما الصرف الصحي والشوارع والباعة الجائلين وتعديات المحلات على الطرق… فهذه ملفات تحتاج تدخلًا

قويًا ومشروعًا جادًا، لا ترقيعًا مؤقتًا يعود بنا إلى نقطة الصفر بعد أسبوعين.

هذه ليست رفاهية.

هذه حياة. وهذه مدينة كاملة تبكي بصمت… بينما البعض يكتفي بالمشاهدة. سمالوط لا تطلب معجزة، بل تطلب أن تُعامل كجزء من الوطن.

وأنا أكتب اليوم بوجع مواطن لا يريد الفوضى، ولا يريد الصدام، لكنه لم يعد قادرًا على الصمت.

صرخة أخيرة قبل فوات الأوان: أنقذوا سمالوط… شرقًا وغربًا، مدينة وقرى، قبل أن تتحول من “مركز باق ”

إلى مركز ضائع.

شاهد أيضاً

تأملات فى صوم يونان النبي

ماذا نستفيد من يونان النبي ؟ تهنئة قلبية لكل المسيحيين بمصر والعالم كله بصوم  يونان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.