الجمعة , فبراير 27 2026
هالة جابر

“في هدوء الليل… نلتقي بأنفسنا حقًا.”

بقلم هالة جابر.

عن الإرهاق الصامت لمن يحملون الجميع… ولا يحملهم أحد حين يتوقف العالم عن منحنا ألقابنا، حين لا نكون الأم المثالية، أو الصديقة الحنون، أو المنقذ الذي لا يكل، حين لا يكون هناك جمهور يثني علينا…

نسأل أنفسنا: من أنا؟ نجد أنفسنا أمام مرآة تبدو فارغة، نبحث عن هويتنا بين بقايا أدوار تعلمناها منذ الصغر، أدوار صنعتنا… لكنها لم تصفنا بالكامل. تخيل أمًا تجلس آخر الليل بعد أن نام الجميع. المطبخ هادئ، الهاتف صامت، لا أحد يطلب شيئًا.

لأول مرة في يومها لا يناديها أحد.

تنظر حولها… ثم إلى نفسها، وتسأل في صمت: لو لم أكن مسؤولة عن كل هؤلاء… فمن أكون؟

هذا السؤال البسيط قد يهز أعماق أي إنسان اعتاد أن يكون العمود الذي لا يميل.

الهوية ليست ما نفعله للآخرين، ولا ما يراه العالم فينا، بل ما يبقى حين تتلاشى كل العناوين.

في صمت تلك اللحظة نكتشف شيئًا مهمًا: الخوف الحقيقي لم يكن يومًا من فقدان الآخرين، بل من مواجهة أنفسنا كما هي… بلا تبريرات، بلا أقنعة، بلا أدوار.

الخطر الأكبر أن ننسى أنفسنا ونحن نحاول إصلاح كل شيء من حولنا، أن نتعب بلا توقف، ونضحي بلا حدود

وأن نقيس قيمتنا بما نقدمه… لا بما نحن عليه.

متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك؟ لا لتحل مشكلة، ولا لتداوي جرح أحد، ولا لتثبت قيمتك… بل فقط لتسأل:

ماذا أريد أنا ؟ هناك من تربى على الاعتقاد أن القوة الحقيقية تكمن في السيطرة على المحيطين

وأن الحب يُستحق فقط بالجهد المستمر، وأن القبول لا يأتي إلا بعد استنزاف كامل للطاقة.

لكن الحقيقة أن الحرية الداخلية تبدأ حين نتوقف عن التمثيل، ونسمح لأنفسنا بأن نكون مجرد بشر:

نخطئ، نتعلم، ونختار.

الأدوار التي نؤديها قد تمنحنا شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنها ليست نحن.

وعندما نسقط، لا نكتشف الفشل فقط، بل نكتشف الحرية والصدق مع الذات، ونستعيد القدرة

على رسم معاييرنا الخاصة، من دون انتظار اعتراف الآخرين أو رضاهم. الخطر الحقيقي

ليس في فشل الآخرين، ولا في خيباتنا معهم

بل في أن نغفل عن أنفسنا بينما نحاول أن نحمي أو نصلح أو ننقذ كل شيء حولنا.

وهنا تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية… ليس بإصلاح العالم، ولا بإرضاء كل من حوله، بل بإعادة اكتشاف ذاته

في صمت الأدوار المسقطة، وبناء ذاته بلا أقنعة، واختيار قيمه… لا تلك المفروضة عليه.

في النهاية، قد لا يكون الطريق سهلًا، لكن كل خطوة نحو الذات الحقيقية، وكل لحظة نواجه فيها أنفسنا

بلا تمثيل، هي بداية نور كنا نظنه بعيدًا. ليس كل عطاء فضيلة… وأحيانًا نضيع أنفسنا ونحن نحاول إنقاذ العالم.

وربما، في ليلة هادئة كهذه، حين لا ينادي أحد… يكتشف الإنسان أنه ليس فقط من يحمل الجميع، بل روح تستحق أن يُحمل عنها بعض الثقل.

شاهد أيضاً

ماجد سوس

طقسُُ للحياة أم حياةُُ للطقس

ماجد سوس هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام نفسه بهدوء، لا ليدين، بل ليفهم. لحظات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.