في الذكرى الرابعة عشرة لرحيل قديس العصر البابا شنودة الثالث يعود وجدان الأقباط ليُفتَح على مصراعيه مسترجعًا ملامح أبٍ روحيٍّ ترك بصمة لا تُمحى في قلوب الملايين ومع حلول 17 مارس، تتجدد الأسئلة حول نظرة الأقباط للبابا البطريرك هل تغيّرت بين زمن البابا شنودة وزمن البابا تواضروس الثاني؟
أم أن المقارنة بينهما قدرٌ لا يفارق الذاكرة القبطية؟ عبر التاريخ لم يكن البطريرك مجرد قائد كنسيً بل رمزًا يُشكّل وعي الأقباط وهويتهم ومع أن البابا تواضروس الثاني يقود الكنيسة في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا إلا أن ظلّ البابا شنودة يبقى حاضرًا بقوةً وكأن محبته الشعبية ما زالت تتدفّق بلا انقطاع.
أولًا: الكاريزما حين يتحول الأب إلى رمز كان البابا شنودة شخصية استثنائية يجمع بين عمق الروحانية
وبلاغة الشاعر وحضور القائد كلماته كانت تُداوي وابتسامته كانت تُطمئن وصوته في عظات الأربعاء
كان بمثابة موعد أسبوعي مع الأبوة أما البابا تواضروس فهدوؤه ووقاره يمنحان الكنيسة إدارة رصينة لكنه
لا يحمل ذات الوهج الخطابي الذي جعل من سلفه أيقونة قريبة من القلب.
ثانيًا: الدور السياسًي حين يصبح البطريرك صوتًا لشعب واجه البابا شنودة السلطة في لحظات فارقة خاصة في خلافه الشهير
مع الرئيس السادات فصار في نظر كثيرين مدافعًا شرسًا عن حقوق الأقباط لم يكن مجرد بطريرك، بل زعيمًا روحيًا وقوميًا
أما البابا تواضروس فقد اختار طريق الحوار والتوافق وهو نهج يناسب زمنه لكنه لا يمنح صاحبه ذات الهالة النضالية التي أحاطت بالبابا شنودة.
ثالثًا: الحنين لقائد مخلص لكنيستة ووطنه أربعون عامًا من خدمة الكرسي المرقسي سباقها حوالي عقد من الزمن اسقفا للتعليم والمعاهد الدينية والكلية الإكليركية جعلت البابا شنودة جزءًا من تكوين أجيال كاملة من تربّوا على كتبه
وعظاته لا يرونه مجرد بطريرك بل أبًا عاش معهم تفاصيل حياتهم ومن الطبيعي أن يجد خليفته نفسه في مقارنة غير عادلة مع رمزٍ عاش في الوجدان قبل أن يعيش في الواقع.

البابا شنودة الثالث 
البابا تواضروس الثاني
رابعًا: اختلاف التحديات واختلاف الأدوات تولّى البابا تواضروس الكرسي في زمن ما بعد الثورة وسط انقسام مجتمعي وتصاعد إرهاب وهجرة متزايدة واحتياج داخلي لإعادة التنظيم ورغم ذلك استطاع أن يحقق نهضة في العلاقات المسكونية، ويطوّر في الطرق الادارية ويقود الكنيسة بحكمة إدارية واضحة لكن صعوبة المرحلة
جعلت إنجازاته أقل ظهورًا لدى البعض.
خامسًا: التواصل بين صوت الأب وصوت المؤسسة كان البابا شنودة حاضرًا بين الناس يطلّ عليهم أسبوعيًا
يجيب يمازح ويُعلّم أما البابا تواضروس فاختار التواصل المؤسسي وهو خيار عملي لكنه أقل دفئًا في عيون الشعب.
سادسًا: محبة المسلمين والعرب للبابا شنودة لم يكن حب البابا شنودة حكرًا على الأقباط مواقفه القومية
خاصة رفضه زيارة القدس إلا مع المسلمين جعلته رمزًا وطنيًا خطابه المعتدل حكمته ثقافته وخفة ظله جعلته محبوبًا
لدى المصريين والعرب على اختلاف انتماءاتهم. إن محبة الأقباط والمصريين والعرب للبابا شنودة ليست مجرد عاطفة بل تقدير لرجل جمع بين الروحانية والقيادة والوطنية
أما البابا تواضروسً فهو يسير في طريق مختلف أكثر هدوءًا يناسب تحديات زمنه وكلاهما بطريقتيه قدّم للكنيسة
ما يستطيع حسب قدراته وإمكانياته الشخصية ومواهبه الروحية وسوف يظل الحكم للشعب وللتاريخ الذي لا يجامل.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
