الأحد , أبريل 12 2026
هالة جابر
هالة جابر

​فخ الذاكرة.. هل يستحق البيت المهجور أن نُضيّع فيه بقايا العمر؟

بقلم: هالة جابر

​ثمة فخاخ تنصبها لنا الذاكرة ببراعة، حين توهمنا أن الحاضر يمكن أن يُبنى على أنقاض صورٍ بهتت ألوانها، أو وعودٍ تبخرت مع أول عاصفة صدق.

يميل البشر أحياناً للتمسك بالقديم، لا حباً فيه، بل ذعراً من مواجهة الفراغ الذي يخلفه الراحلون في الأرواح قبل أن يرحلوا بالأجساد.

ولكن، هل يستحق البيت المهجور أن نُضيّع العمر في محاولة ترميم جدرانه المتآكلة بطلاء الكذب؟ ​

هناك علاقات تشبه تلك البيوت المهجورة؛ يمرّ المرء بها كل يوم، يتجنب النظر إليها، لكن أصواتها وروائحها المكتومة لا تهدأ.

كل غرفة فيها كانت تحكي خديعة، وكل نافذة كانت تحمل ضوءاً زائفاً سمّاه البعض يوماً أملاً.

الذاكرة هنا ليست حنيناً، بل هي عائق؛ تجعل الإنسان عالقاً في لحظات لم تعد موجودة إلا في خيالٍ يرفض الاعتراف بالنهاية. ​

هنا يبدأ الترميم الحقيقي للذات؛ ليس بالاستجداء، ولا بمحاولة استعادة بقايا من غادروا، بل باليقين الصادم

بأن هذا البيت لم يعد صالحاً للسكن.

الترميم لا يعني إصلاح ما انكسر مع الآخر، بل يعني تنظيف الروح من غبار الخديعة، وإعادة ترتيب الأثاث العاطفي الذي بعثرته رخص المشاعر واستهانة العابرين بقدسية القلوب.

​السيادة النفسية تقتضي أن ندرك أن بعض الأبواب يجب أن تُغلق للأبد، ليس حقداً، بل احتراماً للمساحات التي لم تُقدّر.

نكتشف حينها صمتاً يفسح مجالاً لوعي أعمق بالاستحقاق، ونرى بوضوح أن القوة لا تكمن في التمسك المذل

بل في الترك النبيل.

​البيوت المهجورة لا تُرمم لنسكنها مرة أخرى مع من خذلونا، بل تُرمم لنقف أمام مرآة الحقيقة بداخلها وحدنا، لنرسم طرقاً للسلام بعيداً عن زحام الوجوه الزائفة.

ففي النهاية، لا تحاولوا إحياء بيوتٍ هجرها أصحابها بإرادتهم، بل ابحثوا عن أنفسكم وسط الحطام.. فثمة حياة حقيقية تبدأ خلف أسوار تلك الذاكرة المتهالكة. ​فلتكن الذكريات جسراً نعبر منه إلى ذواتنا، لا سجناً نُحكم فيه إغلاق أبواب أرواحنا. ​

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

موضوع الأسلمة  من منظور تسويقي

كيرلس إسكندر مين الفئة المستهدفة من المسيحيين؟ الأشخاص الأكثر فقرًا في مصر، وناس منغلقة تبحث …

تعليق واحد

  1. المقال تقيل كالعادة
    وفية صدق وإحساس الوجع واصل فعلا
    واضح جداا أن كل الاحساس والمشاعر فى المقال من جواكى ،ودة باين فى الصور والتشبيهات اللى استخدمتيها

    اولا كدة انا معجب جداا بتشبيهاتك البلاغية دة يدل انك متمكنة فى اللغة دة تانى مقال اشوف فيه ابداع التشبيهات ..
    عجبنى تشبيه العلاقات بالبيوت المهجورة ، وكملتى فى باقى النص واستخدمتى كلمات زى غرف ونوافذ وترميم ،
    دة وحدة وترابط وعمق الفكرة مش اى جمل جميلة وخلاص

    كمان عجبنتى جداا الفكرة انها عميقة
    انتى مش اتكلمتى عن الفراق لكن وهم الترميم والخوف من الفراغ
    دى نقطة نفسية عميقة اوى افتكر سمعتها فى كورس نفسى قبل كدة

    اختيارات التعبيرات تحفة
    زى السيادة النفسية واليقين الصادم
    رخص المشاعر
    حسيت انى بقرى مقال عميق ل كاتب كبير

    ورغم أن النبرة سوداوية وحزينة
    لكن ختمتى بشكل موفق جداا
    فلتكن الذكريات جسرا نعبر منه إلى ذواتنا لا سجنا نحكم فيه اغلاق أبواب ارواحنا
    الخاتمة فيها حولتى النص اللى مليان وجع ل أمل
    يمكن الخاتمة دى عملت توازن

    كلامك حببنى فى اللغة العربية فعلا متمكنة جداا من اللغة دة غير انك بتكتبى بأحساس كبير ودى ميزة كبيرة
    دة غير أن بتكتبى اللى أغلب الناس حاسة بيه وعيشاه ..
    ربنا يوفقك ديما وعقبال المقال المليون
    وديما مبدعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.