نشر دياكون مكارى على صفحته الشخصية المقال الذى قال عنه أنه بسببه تم ايقاف خدمة الأنبا مكسيموس أو ماسك ميشيل والذى نشر فى مجلة مرقس فى يناير 1976 ونحن ننشره فى الأهرام الكندي كما قام هو
المقال الذي كان السبب في إيقاف خدمة الأنبا مكسيموس والذي نشر في مجلة مرقس في يناير 1976
كان الوقت مبكراً حين بدأت أتعرف على المسيح وكانت البداية حارة جداً، وعندما كنت أقرأ في حياة قديس كان قلبي يحترق شوقاً لأحيا مثلهم، وكانت سيرتهم لا تفارق خيالي وعواطفي، وكنت أواظب بانتظام على صلوات الأجبية السبع فأصلي باكراً والثالثة – قبل ذهابي للمدرسة الثانوية – والسادسة والتاسعة بعد عودتي منها
ثم الغروب والنوم قبل أن أبدأ مذاكرتي وتنتهي الليلة بصلاة نصف الليل كلما أمكن ذلك، ولم يكن في القرية
التي كنا نعيش فيها كنيسة ولا وعظ ولا مرشد فلم يكن أمامي شيء أتعلم منه المسيح إلا الإنجيل فأخذت
أقرأ وأنفذ بدقة وناموسية بالغة.
وتوالت السنون على دفعة البداية هذه، نما معها إحساسي بالحياة والعالم المحيط بي وحاجة الإنسان
فدخلت في مرحلة جديدة في مواجهة العالم وصراع الخطيئة، اشتقت جداً أن أحيا في سعادة مستمرة دائمة
ولكن سعادتي لم تكن تدوم بسبب سقطاتي وتعثراتي الدائمة فصارت أنيناً عوض الفرح
أجاهد فأفرح ثم أسقط فأحزن واكتئب، ولم يكن ممكناً ألا أسقط ومن ثم لا مفر من البكاء والدموع
كنت أسعى لحياة النصرة والفرح وأشتاق إليها ولكن لا أعرف كيف أقترب منها، وهكذا استمر الحال بي في جهاد مَرّ بين قيام وسقوط، حرارة وبرودة، فرح وحزن.
وذات مرة أخذت أفكاري تصارعني تستولي على عقلي ولا نجاة حتى صلواتي بَرَدت وصارت روتيناً ثقيلاً
وطال بي الأمر وأفكاري لم تهدأ، كل توجيهات أب اعترافي مقنعة جداً ولكنني غير قادر على تنفيذها..
لأني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني لناموس الخطيئة والموت.. حِرْتُ في نفسي وتمرمرت جداً..
حتى متى أظل قشة تتقاذفها الأمواج.. غير ثابت في شيء.
لقد شجعتني النعمة أن أدخل إلى مخدعي المهجور وأنسكب في إيمان على المسيح.. دخلت أصلي
وبدأت الصلاة باردة وفاترة كالمعتاد.. لم يهمني سأستمر.. وهكذا أخذت أثابر وأقاوم رغم البرودة مرات
متعددة.. لم أيأس.. كان عندي بقية إيمان ويقين بالمسيح.
حينئذ نظر إلى مذلتي.. نعم أحسست بالنصرة لأول مرة في حياتي.
لا أعرف ماذا حدث لي، ولكني شُفيت من أفكاري بطريقة قاطعة ورائعة.يا للفرحة.
لن أُسْتَعبَدْ للخطية بعد، لقد عرفت الطريق إلى النصرة.. إنها هبة معطاة مجاناً من المسيح لكل من يسأل بإيمان.. الآن أدركت سر شقاوتي.. إنني كنت أبني علاقتي مع المسيح على مدى تقواي وبري الشخصي.
كنت أتصور أنه يحبني حين أحبه وأطيعه وهو يرفضني لو تعثرت وسقطت.
ومِنْ ثَمّ فأنا أجاهد لأَظهَر أمامه كل حين في الثوب اللائق فإذا لم أحقق ما أصبو إليه أحس باليأس والفشل والهزيمة.
لقد أدركت متأخراً جداً أن المسيح يحبني وأنا خاطئ كما أنا وأنا تائب بنفس الدرجة لأنه كمال الحب
لقد أدركت متأخراً أن قبولي لدى الآب ليس مبنياً على تقواي ولكن على بر المسيح، أدركت متأخراً أنه لو أمكن أن أحيا
في التقوى بذاتي فالمسيح إذن مات بلا سبب.. أدركت متأخراً سر النصرة أن المسيح كَمّل لي في بشريته
كل القداسة والغلبة والنصرة “لأجلهم أقدس أنا ذاتي” وما علىّ إلا أن أتسلّم منه خبرة النصرة مجاناً
لأن من يسأل يأخذ من يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له.. لكن في إيمان ويقين لأن المرتاب لا يظن أنه سينال شيئاً
من عند الرب.
لم أعد من ذلك التاريخ أخاف ضعفي وخطاياي إذ قد عرفت الطريق أن أتقدم بها كل حين لآخذ تطهيراً وتقديساً
دائماً مستمراً.
اختبار الملء بالروحإن خبرة عطاء المسيح لي خلال المرات المتعددة عمقت رجائي ويقيني في وعد الإنجيل أنه مهما طلبتم في الصلاة مؤمنين تنالونه.
نعم كل مرة سألت أخذت أكثر مما أطلب أو أفتكر.هذه المرة امتلأ قلبي بشوق غير عادي لاختبار مواهب
الروح القدس لم يكن أمامي سوى المخدع.. أغلقت على نفسي في خلوة وصلاة وصوم وتضرع أمام الرب.
كان الدافع هو اختبار مواهب الروح.. لكني وجدت أن الروح يحول اهتمامي إلى المسيح وحبه والإتحاد به..
ومن ثم أخذ يكشف لي كل الخطايا المستترة في حياتي، ثم يعين ضعفاتي ويتوبني عنها، وهكذا استسلمت
لطاعة الصوت العذب اللذيذ في داخلي يبكت على الخطية.
نعم كلما استسلمت لطاعة الصوت والانقياد للروح أحس أن الروح يضطرم في قلبي وأن المسيح
يملأ كياني ويشغلني بشدة .. حتى صرت غير قادر على مغادرة مخدع الصلاة لفرط الحلاوة إذ ما ألبث أن أخرج للخدمة
حتى أعود سريعاً إليه.
نعم .. يا للفرح يا للحب يا للحرارة التي تملأ كياني.. يا للغنى المذخر في مخدع الصلاة.. لا يمكن أن أصف لك
ماذا حدث لي بعد هذه الخلوة المباركة.. لقد امتلأ قلبي بفرح مذهل يفوق التصور.. أحسست يوماً أن قلبي
اللحمي سيتوقف من شدة هذا الفرح فصليت طالباً “كفى يارب فرح”.
لقد انفتح ذهني واستنار بشدة وبدأ الروح يعلن لي سر المسيح فبدأت أفهم كل ما لم أستطع فهمه
في مدرجات اللاهوت.. وانفتح الإنجيل أمام قلبي بصورة جديدة ورأيت فيه أبعاداً جديدة لم أرها من قبل
اكتشفت أن كلمات الإنجيل كلها تحمل أسراراً وراءها مخفاة لا يعرفها إلا الذي يأخذ..
بدأت أفهم في الإنجيل أبعاداً واستعلانات لم تكن تخطر لي على بال فأحببت الإنجيل بشدة وصار موضوع فرح
فائق لنفسي، حتى عظاتي صار وقعها على النفوس كلحن مفرح أو مقطوعة موسيقية أسمعها مع أخوتي
في خدمة الكلمة.. حينما كنت أصلي كانت حرارة الروح تسري في وفي اجتماع الصلاة من حولي كسريان النار
في الهشيم حتى نحس أننا نطير ونحلق في السماء، لم أعد محتاجاً أن أجهز العظات التي سألقيها
لأن تيار الروح كان ينساب في كل مرة أتكلم.. ومهما كان عدد العظات في اليوم الواحد
كنت أحس أني متذكر في عقلي وقلبي كل آيات الكتاب من التكوين إلى الرؤيا في الموضوع الذي أعظ فيه بتتابع وتسلسل وترابط مذهل.
بدأت أتعمق أسرار وطقوس الكنيسة وفكرها ولاهوتها بصورة حية.. نعم أشكر إلهي كل حين، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
