بقلم / جمال رشدي
لم تكن المرة الأولى التي أتعامل فيها مع شخصية عامة، لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أنني أمام “نموذج دولة” متكامل، حين التقيت بالمستشار محمود فوزي خلال فترة قيادته للحملة الانتخابية للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2024.
كان اللقاء عبر تقنية الفيديو كونفرانس (Zoom) مع المصريين العاملين بالخارج، لكن رغم بُعد المسافات، كان الحضور طاغيًا، والكلمة محسوبة، والتواصل يحمل قدرًا نادرًا من الاحتراف والإنسانية في آنٍ واحد.
وبحكم عملي في مجال الإدارة العامة وإدارة الموارد البشرية، وهي مهنة تتيح قراءة الشخصيات
من الوهلة الأولى، أدركت سريعًا أنني أمام قامة استثنائية؛ رجل يمتلك رؤية واضحة، وثقافة موسوعية
وذكاءً اجتماعيًا لافتًا، واتزانًا نفسيًا نادرًا، فضلًا عن بساطة وتواضع لا يُصطنعان، وقدرة متميزة
على إدارة الحوار دون استعراض أو افتعال.
لم يكن يتحدث ليُقنع فقط، بل كان يتحدث ليُشركك في الفكرة… وهذه سمة لا يمتلكها إلا من يفهم معنى الدولة
لا مجرد من يشغل موقعًا فيها. بعد شهور قليلة، جاء اختياره وزيرًا لـالشئون النيابية والقانونية
والتواصل السياسي، وهو الاختيار الذي لم يفاجئني بقدر ما أكد رؤيتي المبكرة.
فقد أثبت خلال فترة توليه المسؤولية أنه ليس مجرد مسؤول يؤدي دورًا تقليديًا
بل كان نموذجًا لمسؤول يملك أدواته، ويُحسن قراءة الواقع، ويتعامل مع قضايا الوطن بوعي عميق وتوازن محسوب.
وكان اللافت في أدائه، ليس فقط الطرح القانوني أو النيابي، بل تلك القدرة الفريدة على التلاحم
مع وجدان المواطن، شكلاً ومضمونًا.
لم يكن يتحدث من برج عاجي، بل من أرض الواقع بلغة يفهمها الناس دون أن يفقد عمقها
وهو ما جعله قريبًا من عقل وقلب المواطن في آنٍ واحد.
لكن، ومع تشكيل المجالس النيابية والحكومة في صورتها الأخيرة، جاء الغياب المفاجئ
للمستشار محمود فوزي عن موقعه الوزاري، ليطرح العديد من علامات الاستفهام داخل الشارع المصري.
تساؤلات مشروعة، لم تكن نابعة من الجدل، بل من إدراك حقيقي لقيمة هذا النموذج، وضرورة استمراره
في مواقع التأثير.
وقد ذهب كثيرون إلى أن القيادة السياسية ربما تُعد له دورًا أكبر أو موقعًا أكثر تأثيرًا
وهو طرح منطقي إذا ما نظرنا إلى حجم الإمكانيات التي يمتلكها الرجل، وقدرته على العمل في مساحات
أوسع تخدم الدولة المصرية في مرحلة شديدة الحساسية.
إن ما نحتاجه اليوم، ليس فقط مسؤولين يُجيدون الإدارة، بل رجال دولة حقيقيين
يمتلكون وعيًا ثقافيًا، وارتباطًا حقيقيًا بالمجتمع، وقدرة على التفاعل مع تحدياته دون انفصال أو تعالٍ.
ومن هنا، فإنني — ككاتب صحفي ومواطن مصري — أرى أن الاستفادة من نماذج مثل
المستشار محمود فوزي ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية. فالدول لا تُبنى بالنماذج النظرية
وحدها، بل تُبنى برجال يملكون الحس، والفهم، والانتماء، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
كما أن البحث عن أمثال هذه النماذج، ودفعها إلى مواقع المسؤولية، هو استثمار حقيقي
في مستقبل الدولة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، والتي تتطلب عقولًا من طراز خاص
لا تُجيد فقط التفكير، بل تُجيد الفعل والتأثير.
إن المستشار محمود فوزي ليس مجرد اسم مرّ في تشكيل حكومي، بل هو نموذج يجب أن يتكرر…
لأن الأوطان، في لحظاتها الفارقة، لا تحتمل إلا الكفاءات الاستثنائية

جريدة الأهرام الجديد الكندية
