الأحد , مايو 16 2021
مدحت موريس
مدحت موريس

حادث وفاة

مدحت موريس 

استمرت فى لوم ابنها طوال الطريق، اعطته دروساً متعددة فى احترام المواعيد، وسلوكيات التعامل مع من هم اكبر سناً، فى الرجولة الحقيقية والالتزام بما يعد به…اعطته دروساً فى كل شىء تقريباً وهى لا تدرى ان كان ينصت اليها ام انه شارد عن حديثها فى عالم آخر فهو يستقبل كلماتها بابتسامة مصطنعة ووجه جامد. صمتت قليلاً ثم سألته بلهجة حادة..” انت سامعنى ولا لأ ؟” جاءت اجابته المتلعثمة والتى هى مزيج من حروف لا معنى لها مصحوبة بهزة رأس بالايجاب لتؤكد لها ان كل كلماتها وتعنيفها له قد ذهبت ادراج الرياح فهو لم يكن معها بل كا ن فى واد آخر.

ابتسم الابن – الشاب الصغير – وهو يتوقع ان تتبدل لهجة امه من التعنيف الى التأنيب ثم اتسعت ابتسامته عندما استأنفت حديثها كما توقع هو..” يا ابنى انت مش صغير انت داخل على العشرين وكلها سنة وتتخرج وتشتغل وتبقى مسؤؤل عن بيت واسرة ، انا دلوقت بانصحك انما بعد كده ماحدش قاعد فى الدنيا وبكرة تقول يا ريتنى سمعت كلام ماما” كان يدرك ان الكلمات الاخيرة هى دائماً وابداً الخاتمة للحوار فاستعد لأن يؤدى دوره المعتاد ويقول هو ايضاً الكلمات المعتادة المناسبة للموقف وفقاً للسيناريو المتكرر الغير مكتوب.

” ماتقوليش كده يا ماما، بعد الشر عنك، ربنا يخليك وتنصحينى على طول”…ارضتها كلماته المعادة والتى انتظرتها لتعاتبه من جديد على تأخره الدائم عن مواعيده وعدم اهتمامه بشؤؤن الاسرة وقضائه معظم الوقت مع الاصدقاء. ساد الصمت بينهما فى طريق المطار لانتظار الزوج والاب العائد نهائياً الى ارض الوطن بعد رحلة خليجية طويلة.

اخيراً سيلتئم شمل الاسرة من جديد بعد الاستقرار فى الخليج لسنوات عادت بعدها مع ابنها وابنتها الى ارض الوطن لدراستهما الجامعية تاركين الاب يصارع الغربة وحده لعام واحد امتد لاربعة اعوام لمواجهة احتياجات الحياة لكنهم اكتشفوا انه لو تعلق الامر باحتياجات الحياة لظل الاب فى غربته بقية عمره. فكان القرار بالاجماع…ان ينهى الاب ارتباطاته ويعود ليجتمعوا جميعاً على ارض واحدة وتحت سقف واحد. دارت تلك الافكار فى رأسها وهى تعلم ان خروج الابن والابنة من منزل الاسرة قد بات قريباً وهما على اعتاب التخرج والزواج – لاسيما – الابنة المخطوبة.

اما افكار الابن فقد تركزت فيما سوف يترتب على وجود الاب بالمنزل فعليه ان يكون اكثر حكمة فى خروجه وعودته المتأخرة الى المنزل والتى لن يرضى عنها الاب بطبيعة الحال. نظرت فى ساعتها، المفروض ان تكون الطائرة قد هبطت الآن، ولم نصل المطار بعد. طمأنها الابن بأنه حتى لو هبطت الطائرة فى موعدها فهناك جوازات وجمارك ستأخذ الكثير من الوقت، قال هذا وهو ينعطف بالسيارة الى موقف السيارات بالمطار. تعلقت اعينهما بشاشات المطار التى اعلنت عن وصول الطائرة فى موعدها.

امامنا ساعة على الاقل…هكذا قال ابنها وقد اتجه الى مقعد داعياً والدته الى الجلوس بينما انشغل هو فى مداعبة تليفونه المحمول. مضى الوقت رتيباً مملاً لم يسرى عنها سوى مجلة للازياء اشترتها وهى تتعجل وصول زوجها الحبيب ثم تتعجل فتح الحقائب لترى فستانها الذى طلبته منه لترتديه فى حفل زفاف ابن شقيقتها. بالتاكيد اشتراه لها فقد ارسلت له صورة الفستان والمقاس المطلوب واسم المحل الذى يبيعه ولم يعد عليه سوى ان يدفع ثمنه ويحضره اليها علاوة على انه اكد لها فى مكالمته الاخيرة انه سوف ينزل الآن الى الاسواق ويشتريه..ولو حدث امر آخر لاخبرها. ولكن ماذا لو لم يحضر الفستان وليس لديها فستان جديد ترتديه فى زفاف ابن شقيقتها ..الحفل بعد يومين والوقت ضيق واكثر ما تكره هو ان تشترى شيئاً اى شىء وهى مُجبرة. اخرجها صوت الابن من افكارها ” ركاب الطائرة الخليجية بدأوا فى الخروج” .

اتجهت ابصار الام والابن نحو بوابة الخروج من صالة المطار وفى كل مرة ينفتح الباب ويُغلق كانت الاعناق ترتفع لتنظر الواقفين بعيداً من ركاب الطائرة فى انتظار تفتيش حقائبهم وعبثاً حاولا ان يجدا الاب هنا او هناك فلم يظهر فى مساحة الرؤية المتاحة لهما. امامنا الكثير من الوقت فمن خرجوا من ركاب الطائرة لا يتعدى عددهم اصابع اليد الواحدة واظنهم حاملى جوازات سفر دبلوماسية….تحرك الابن فجأة متجهاً نحو المانع الحديدى والذى يفصلهم عن ممر خروج ركاب الطائرة حيث رأى طاقم الطائرة تحدث الابن معهم ثم عاد لامه يخبرها بانهم طاقم قيادة الطائرة الخليجية ثم اضاف مطمئناً امه ” دقائق ويخرج ابى الا اذا…” نظرت اليه متسائلة فاردف” الا اذا كان جايب حاجات كتيييير وح يدفع جمارك اكتر” ابتسمت الام وهى تهز كتفيها بمعنى انها لاتدرى شيئاً.

بدأ ركاب الطائرة فى الخروج تباعاً وبدأت اصوات مستقبليهم فى الارتفاع وهى تنادى عليهم او ترحب بهم حتى لمحت الام احد الركاب وهو يخرج متجهماً ثم يتحدث مع مستقبليه فى جدية بالغة ثم سمعت البعض يتمتم بكلمات من عينة “لا حول الله” “انا لله وانا اليه راجعون”. انقبض قلبها وتشاءمت وقد فكرت منذ قليل بأن فستانها هو آخر ما سيحضره لها من الخليج وهذه العبارة الاخيرة اثارت ضيقها لما تحمل من معانى “..لا….لا…يعيش ويجيب ويخليه لى ولاولاده” نهضت من مقعدها بعد خروج الكثيرين من ركاب الطائرة واقتربت من السور الحديدى وعيناها تتعلقان بالباب الذى يُفتح ويُغلق كل دقيقتين تحاول ان تسترق النظر الى داخل صالة المطار لترى زوجها بين الواقفين الذين قل عددهم بعد خروج الكثيرين. تناثرت الكلمات بين الخارجين من صالة المطار وبدأت فى تجميع خيوط الكلمات من هنا وهناك حتى توصلت لحقيقة الحدث …فقد توفى احد ركاب
الطائرة فى مقعده وهذا ما تسبب فى تأخرهم فى الخروج..انقبض قلبها ثم دق بعنف وهى تبحث عن الابن الذى سمع ما سمعته لكنه ذهب وسأل احد الركاب مباشرة فاخبره بالحقيقة التى استنتجتها الام…بالفعل توفى احد الركاب داخل الطائرة…مصرى الجنسية…والمعلومة الاخيرة اسقطت قلبها وجعلت ساقيها تعجزان عن حملها وفى لحظة ارادت ان تسأل اى من الركاب ان يصف لها المتوفى لكنها خافت ان تسأل ولم تشعر الا بايد كثيرة تسندها حتى تصل متهالكة القوة نافذة الاعصاب الى مقعدها بينما لمحت الابن يسرع الخطى فى هلع نحو احد الضباط ويتحدث معه.

تابعت الابن بنظرات غائمة غطتها الدموع التى تساقطت فى صمت. تعلقت عيناها مرة اخرى بباب خروج الركاب الذى لم يعد يُفتح ويُغلق كل دقيقتين…اكثر من عشرين دقيقة ولم يفتحه احد….”بابا” قالها الابن بصوت عال وهو يركض بعيداً نظرت نحو الباب من بين دموعها فرأت زوجها يخرج فى هدوء يدفع عربة مليئة بالحقائب على اختلاف احجامها ، حاولت ان تنهض وتجرى نحوه لكنها عجزت حتى وصل هو اليها وهو يحتضن ابنه الذى قام بدفع العربة بدلاً من ابيه، امسك بيدها ثم انهضها واحتضنها بينما انسابت دموعها غزيرة بلا توقف ومع اندهاشه ابتسمت ثم خرج صوتها المخنوق يتهدج “حمدالله ع السلامة يا حبيبى…ياترى افتكرت تجيب الفستان؟”

بقلم مدحت موريس
([email protected])

شاهد أيضاً

الدكتورعكاشة ووزير الأوقاف

مختار محمود لا نعلم إن كان أستاذ الطب النفسي الشهير الدكتور أحمد عكاشة يتقاضى راتبًا …