الإثنين , مايو 17 2021
مدحت موريس
مدحت موريس

نصف الصورة

مدحت موريس 

جلست منهكا على أحد المقاعد، نظرت حولى وأنا أرى الحقائب والصناديق مبعثرة فى كل مكان….مازال أمامنا الكثير لترتيب منزلنا الجديد.

جاء صوت زوجتي من المطبخ مناديا على ابنى الأكبر الذى بدوره أسرع الى والدته حاملا صندوقا ضخما يحتوى على بعض الأواني حيث بدأت هى فى ترتيبها ووضعها فى أماكنها، بعدها جاءت زوجتى حاملة كوبين من الشاى وضعتهما أمامى ثم جلست بجوارى لتنال قسطا من الراحة هى الأخرى. “مش ح ينفع الكلام ده….كده مش ح نخلص ولو بعد شهرين، إيه رأيك لو أخذت يومين ثلاثة أجازة أنظم فيها كل حاجة ونخلص بقى هكذا اقترحت زوجتى رددت عليها قائلا ” أعتقد أنه لا داعى للأجازة، فلو تعاوننا جميعا واستغلينا الويك اند كويس ح نقدر نظبط الأمور كلها أو -على الأقل- جزء كبير منها” تدخل ابننا الأكبر فى الحوار ما هو لازم نرتب كل متعلقاتنا بسرعة أنا بصراحة مش عارف ألبس، نصف ملابسى مازالت فى الشنط قلت له مؤنبا وماذا يمنعك من إخراج ملابسك من الشنط يا ترى؟ أجابنى فى خجل بعدما فهم قصدته ” ما أنا برضه ساعدت ماما اليومين اللى فاتوا ” قال هذا وهو ينظر لامه مستنجداً اما هى فلم تخيب ظنه عندما قالت بصوت عال وهى تنظر لابننا الصغير المدلل

بصراحة هو بذل مجهود كبير معايا اليومين اللى فاتوا، أما البيه الصغير فمش فاهمة بيختفى فين كل شوية” رد ابنى الأكبر ضاحكا “طبعا بيلعب بلاى ستيشن أو قاعد على الكمبيوتر”.فى نفس اللحظة ظهر ابنى الأصغر حاملا صندوقا آخر و هو ينادى مطالبا بافساح الطريق أمامه، وضع الصندوق على الأرض ثم التفت لأخيه الأكبر معاتبا ” ظلم…..تعسف……عنصرية…….أنا لم أكن أمام الكمبيوتر….ولم أكن ألعب بالبلاى ستيشن….أنا كنت أنظم غرفتى، كذلك انتهيت من رص وتعليق كل ملابسى فى الدولاب.” رد الأكبر ” كويس جدا لكنك لم تساعد ماما وبابا فى توضيب البيت”.قال الصغير محتجا “يا سلام وهى غرفتى مش جزء من البيت ولا ايه؟ تدخلت موجها كلامى لأبنى الأصغر ” طيب يا فيلسوف…أترك هذا الصندوق لى واذهب مع أخيك لتنظيم غرفته…فهو بحاجة لخبرتك” ضحك الاثنان وذهبا معا بينما فتحت أنا الصندوق الذي أحضره ابنى الصغير والذي كان يحتوى على مجموعة من البراويز لصور عائلية ودينية بالإضافة لبعض المناظر الطبيعية ،أخرجت البرواز الأول وكان لصورة زفافنا ،نظرت لزوجتى مبتسما وقلت”أظن أنه لا بد أن تحتل صورة زفافنا صدارة غرفة المعيشة”

ردت ضاحكة ” يا راجل….بعد أكثر من عشرين سنة مكانها يبقى فى غرفتنا” قلت فى تصميم ” لأ طبعا….الصورة دى هى أساس البيت وأساس الأسرة يعنى وجودها فى غرفة المعيشة هو الوضع الصحيح.” قالت معترضة ” غرفة المعيشة ممكن نضع فيها صورنا العائلية أو صور لأفراد الأسرة لكن…..قاطعتها فى حسم ” قلت ان الصورة ح تتعلق هنا……صورة العروسة والعريس مكانها صدارة غرفة المعيشة” قالت فى سخرية ” عروسة وعريس!!!!! يا راجل …أولادنا بقوا أطول مننا…..عموما انت حر علق الصورة مكان ما تحب” قالتها ضاحكة وهى تنهض لتستكمل ترتيب المطبخ. أمسكت بالصورة متأملا و متذكرا سنوات عمرى الجميلة ،قمت بمسح الصورة لأزيل الأتربة التى علقت بها….ثم قمت بتعليقها على الحائط فى المكان الذى اعتقدت أنه بالفعل مكان الصدارة. استرخيت على الأريكة وعيناى مثبتتان عليها …على الصورة …تحديدا على العروس الحسناء التى كنت ومازلت أراها أجمل وأرق عروس على وجه الأرض…..

كانت تبدو كالملاك بفستان زفافها الأبيض وابتسامتها الرقيقة ،أما اكليل الزواج على رأسها فقد جعلها وكأنها ملكة متوجة على عرش البراءة والجمال. قطع تأملي خروج زوجتى من المطبخ حيث نظرت الى الصورة قليلا ثم عادت الى المطبخ مبتسمة. حاولت الرجوع إلى مركز تأملاتي مرة ثانية ولكن صورة جديدة شوشت أفكاري….فى الواقع هى صورة مقارنة سخيفة بين العروس التى فى صورة الزفاف وبين مثيلتها التى خرجت من المطبخ بعد عشرين عاما !!!! حاولت الهروب من تلك المقارنة ولكن ذهبت محاولاتى أدراج الرياح. هناك بالطبع عدة اختلافات وذلك فى حد ذاته أمر طبيعى ثم أن هذه الاختلافات فى مجملها اختلافات ومتغيرات شكلية، فبالتأكيد ترك العمر آثاره عليها فلم تعد تلك الفتاة الشابة الممتلئة حيوية والتى مازلت أراها أمامى فى الصورة ،كذلك افتقدت التناسق الجسدي الذى كانت عليه……لكنها لا تزال تحتفظ بابتسامتها الساحرة وأيضا ببعض من حيويتها…..يا الهى لا أدرى ماذا دهاني ولكن تلك المقارنة أصابتنى بضيق شديد حتى أننى أصبحت أشك فى أن تلك المرأة الخارجة والداخلة من والى المطبخ هى نفس عروس صورة الزفاف!!!!! ….هى بالتأكيد تعرف وتدرك تلك المتغيرات…..تدرك أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة الرقيقة…..وتدرك أيضا أننى مازلت أحبها بنفس القدر أو أكثر…..فلا أقل من أن تشعر نحوى بالامتنان ….ولا أنكر هنا أن شعورا بالفخر قد تملكنى وكأننى – باحتفاظي بمشاعرى- أقدمت على تصرف مثالى….والحقيقة أن الكثير من الأزواج تتبدل مشاعرهم بعد فترة من الزواج نتيجة لتلك المتغيرات حتى تكررت المقولة الشهيرة لبعض الأزواج بـأنهم -بعد سنوات- يكتشفون بأنهم يعيشون مع امرأة أخرى غير التى تزوجوها. للمرة الثانية تنقطع تأملاتى وهذه المرة بسبب أبنائى حيث وجدتهما أمامى فجأة وأنا غارقا فى أفكارى……نظر الاثنان للصورة تأملاها قليلا ثم نظرا نحوى…..قال أحدهما فى تعجب “ياااااااه يا بابا ده انت كنت رفيع وصغير فى الصورة دى وقبل ان افيق من وقع كلماته”

أضاف ابنى الآخر ” ده انت كمان كان عندك شعر!!!!!!!!” نظرت مرتبكاً اليهما ثم الى الصورة عدة مرات واسقط فى يدى فقد نظروا الى الصورة من زاوية اخرى بل اعتقد انهم قد رأوا الصورة كاملة لاكتشف أننى وبانانية مطلقة لم اكن اشاهد سوى ……نصف صورة الزفاف

[email protected]

شاهد أيضاً

أبونا صرابامون الشايب ظاهرة إنسانية

جميل نصري امين من الصعب جدأ أن تقول كلمة وداع لرجل مثل أبونا صرابامون الشايب …