واصف ماجد
تشهد سوريا في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في وتيرة الاستهداف الطائفي للمواطنين المسيحيين، وذلك في ظل المرحلة الانتقالية التي بدأت منذ ديسمبر الماضي، عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد وتولي أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم “أبو محمد الجولاني”، منصب رئيس الجمهورية المؤقت.
وقد وقع أحد أعنف هذه الهجمات يوم الأحد 22 يونيو الجاري، حين تعرّضت كنيسة مار إلياس
للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق لهجوم انتحاري أثناء إقامة قداس الأحد
ما أسفر عن مقتل خمسة وعشرين شخصًا وإصابة أكثر من ستين آخرين
وفق ما أعلنته وزارة الصحة السورية. وتبنت جماعة تُدعى “سرايا أنصار السنة” الهجوم
الذي اعتُبر الأكثر دموية ضد دور عبادة مسيحية منذ سنوات، وأثار موجة من الحزن والغضب
في مختلف الأوساط الكنسية والشعبية داخل البلاد وخارجها.
ولم تمرّ سوى ساعات حتى شهدت مدينة اللاذقية حادثًا آخر، تمثل في مقتل حارس كنيسة مار تقلا
برصاص مجهولين أثناء تأدية عمله. ورغم إعلان الجهات الأمنية عن فتح تحقيق
لم تُعلن حتى الآن أية تفاصيل رسمية حول مرتكبي الجريمة أو دوافعها
مما زاد من حالة الترقب والقلق لدى أبناء الطائفة المسيحية.
وفي شمال سوريا، وتحديدًا في مناطق إدلب وريف حلب، أبلغت عائلات مسيحية عن العثور
على ملصقات تحريضية لُصقت على أبواب وجدران منازلهم، كُتب عليها:
“هنا أرض طاهرة… ولا مكان للخنازير”. وقد أثارت هذه الحملة الممنهجة حالة من الهلع
دفعت بعض العائلات إلى مغادرة منازلها خوفًا من تصعيد أكبر، لا سيما في ظل غياب أي رد فعل
من قبل السلطات المحلية التابعة لحكومة “الإنقاذ” في الشمال، أو من الحكومة المركزية الجديدة في دمشق.
ويُثير تزامن هذه الحوادث تساؤلات واسعة حول طبيعة المرحلة التي تدخلها البلاد
بعد عقد من الحرب والانقسام، خاصة وأن السلطة الانتقالية الجديدة كانت قد أعلنت في مطلع العام الجاري
عن نيتها بناء دولة “مدنية تعددية تقوم على مبدأ المواطنة”.
في المقابل، أصدرت عدة مؤسسات كنسية ومنظمات حقوقية بيانات شديدة اللهجة
نددت فيها بما وصفته “عودة مظاهر الاضطهاد الديني”، مطالبة بتدخل دولي عاجل
وتوفير حماية حقيقية للأقليات، وعلى رأسها الطائفة المسيحية، التي تشكل جزءًا لا يتجزأ
من النسيج الوطني السوري.
ويتخوف كثيرون من أن تكون هذه الحوادث مؤشرًا خطيرًا على تحول التعددية الدينية
في سوريا إلى مجرد شعارات في خطاب سياسي، في حين تتعرض الأقليات
وفي مقدمتها المسيحيون، لتهديدات وجودية قد تُجبرها على الهجرة الجماعية أو الانكفاء داخل مناطق محدودة.
ويظل السؤال المطروح بإلحاح: هل ستتمكن الحكومة الانتقالية من بسط الأمن وتطبيق
مبدأ المواطنة على الجميع، أم أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من العنف الطائفي المنظم تحت عناوين مختلفة؟

مقتل حارس كنيسة مار تقلا باللاذقية 
مقتل حارس كنيسة مار تقلا باللاذقية 
منشورات ضد مسيحي سوريا
جريدة الأهرام الجديد الكندية
