واصف ماجد
يتواصل الجدل داخل الأوساط القبطية على خلفية الأزمة العقيدية والإدارية التي اندلعت مؤخرًا في كنيسة القديس سمعان الخراز بالمقطم، مع تصاعد مطالب شعبية ورعوية بمحاكمة كنسية علنية للقمص بطرس رشدي، أحد الكهنة الرئيسيين بالكنيسة، على خلفية ظهوره في مقطع فيديو حديث، برّر فيه علنًا ما وُصف بتجاوزات عقائدية فادحة، وهاجم منتقديه بلغة اعتبرها كثيرون مستفزة وغير لائقة كنسيًا.
تصريحات مثيرة: الدفاع عن العرض وتحدي المعترضين
في المقطع المتداول على نطاق واسع، ظهر القمص بطرس رشدي متحدثًا عن العرض المسرحي الذي أثار انتقادات واسعة بسبب تجسيد سيدة لشخصية السيد المسيح، مشيرًا إلى أن هذا النوع من التمثيل معتاد في الكنيسة منذ أكثر من 25 عامًا، وأن الأساقفة كانوا يحضرونه منذ عهد البابا شنودة الثالث، دون اعتراض.
وقال الكاهن صراحة:
“نهضة السيدات لا يحضرها رجال، كما أن نهضة الشباب لا تحضرها البنات، وأنا بنفسي كنت أحضر النهضة وأشاهد الاسكتشات كل يوم. واللي يقولوا غلط لا يعرفوا شيئًا… هذا جهل… الكنيسة مش كلها غلط والأساقفة مش كلهم غلط، إحنا بنشتغل وربنا بيشتغل معانا”.
كما أشار إلى أن ما جرى “أثمر عن توبة سيدات كثيرات ودخول عدد كبير منهن إلى فصول إعداد الخدام”، معتبرًا أن الهجوم على ما حدث “يحمل روحًا عدوانية تجاه النجاح”، بحسب تعبيره.
اتجاه أول: دعم غير مشروط للكاهن وتجربته الخدمية
عدد من المدافعين عن القمص بطرس رشدي يرون أن الهجوم الموجّه إليه يغفل حقيقة دوره في بناء نهضة روحية نسائية مميزة استمرت لسنوات، ونجحت – بحسب تقديرهم – في جذب فئات غير معتادة على حضور الاجتماعات الكنسية.
ويرى هؤلاء أن الكاهن لم يقدّم عرضًا عامًا، بل حدث داخل اجتماع داخلي، وأن التركيز على عنصر تجسيد المسيح من قِبل سيدة يتجاهل السياق الفني والتعليمي غير العقيدي للمشهد.
وتقول إحدى السيدات من المشاركات في نهضة الخدمة:
“أبونا بطرس تعب معانا بقاله سنين، وكل يوم كان بيجي يشجعنا بنفسه… النهضة دي اللي غيرت حياة ناس كتير. واللي بيتكلموا دلوقتي مايعرفوش حاجة”.
اتجاه وسطي: التساؤل المشروع دون إدانة شاملة
في المقابل، يفضّل اتجاه آخر تبنّي مقاربة أكثر توازنًا، إذ لا يُنكر من جهة مجهود الكاهن وثمار الخدمة، لكنه في الوقت نفسه يعتبر أن بعض التصرفات تجاوزت الحد الأدنى من الالتزام العقيدي، ويستغرب من غياب الحكمة في الخطاب، لا سيما في التعامل مع النقد.
أحد الكهنة، رفض ذكر اسمه، علّق بقوله:
“الخدمة عمرها ما كانت مبرر لتجاوز العقيدة. ممكن ننجح بشويّة برامج، لكن لو ضاعت هيبة العقيدة، ضاع كل شيء… وأبونا بطرس أخطأ لما وصف الناس اللي عندها غيرة كنسية بأنهم جهلة”.
هذا الاتجاه يرى أن الأزمة تحتاج إلى مساءلة هادئة تحفظ هيبة الكهنوت دون شيطنة الكاهن، ودون أيضًا تبرير المطلق لما حدث، ويدعو إلى مراجعة نوعية الأنشطة الفنية ومدى التزامها بالمبادئ الأرثوذكسية الواضحة.
اتجاه ثالث: مطالبات بمحاكمة كنسية ومساءلة واضحة
على الطرف الآخر، يتصاعد في أوساط واسعة من الشعب والخدام توجهٌ غاضب، لا يكتفي بالرفض، بل يطالب بإجراءات كنسية رادعة، تبدأ بمحاكمة رسمية للكاهن، وتنتهي بضبط ما يصفونه بـ”الفوضى العقيدية” المتزايدة في عدد من الاجتماعات والأنشطة الكنسية غير الخاضعة لرقابة عقيدية دقيقة.
وتفاعل عدد من النشطاء الأقباط على مواقع التواصل الاجتماعي مع تصريحات الكاهن بعبارات حملت سخرية ورفضًا شديدين، متهمين إياه بإهانة المعترضين ووضع نفسه فوق النقد، في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من تكرار هذه الأنماط في كنائس أخرى.
وقال أحد المعلقين:
“لو كان الأساقفة القدامى فعلاً حضروا مشاهد زي دي، فين التوثيق؟ وليه ما شفناش ده في مؤتمرات الشباب أو النهضات الرسمية؟ الدفاع عن الخطأ بخطأ أكبر، ده مش كهنوت”.
التساؤلات التي تظل قائمة
ما زال الجدل مفتوحًا حول عدة محاور لم تُحسم بعد:
هل يمكن اعتبار ما حدث خطأ عقيديًا فرديًا أم انحرافًا ممنهجًا؟
هل يحق لكاهن أن يهاجم علنًا معارضيه بوصفهم “جهلة” و”مش فاهمين”؟
أين تقف حدود التجديد في الأنشطة الكنسية، وأين تبدأ الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها؟
كما لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي من المجمع المقدس أو سكرتارية البابا تواضروس حول القضية، ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام التأويلات والضغوط الشعبية، لا سيما أن الأمر لم يعد مقصورًا على حدث داخلي، بل بات قضية رأي عام كنسي تتقاطع فيها العقيدة بالإدارة، والكهنوت بالإعلام.
لحظة اختبار حقيقية
سواء أكان ما جرى نتيجة اجتهاد خاطئ، أم انحراف في التقدير، فإن استمرار الصمت الرسمي يُربك المشهد أكثر، ويفتح الباب لفرضيات أكثر خطورة حول طبيعة الخطاب الكهنوتي العام، ومدى الالتزام بضوابط التعليم الأرثوذكسي.
ويبقى السؤال الملحّ: هل ستتحرك الكنيسة في الوقت المناسب لتصحيح المسار، أم تُترك المسائل لتتفاقم، حتى تُصبح المراجعة نفسها مستحيلة؟
جريدة الأهرام الجديد الكندية
