تجد مصر نفسها اليوم في خضم عاصفة إقليمية ودولية غير مسبوقة، تُحاول فيها قوى خارجية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض أذيالها، الزج بالبلاد في صراعات إقليمية وداخلية تهدد أمنها واستقرارها.
تتكشف هذه المخططات على عدة مستويات، تسعى جميعها إلى إضعاف الدور المصري المحوري في المنطقة، وتشويه صورته، ودفعه لاتخاذ مواقف تتعارض مع مصالحه الوطنية والقومية.
أحد أبرز أوجه هذا الضغط هو المحاولة الممنهجة لتصدير صورة مغلوطة بأن مصر هي من تحاصر قطاع غزة.
في الواقع، لطالما كانت مصر بوابة الحياة لقطاع غزة، ولم تتوانَ لحظة عن تقديم الدعم الإنساني والإغاثي
للأشقاء الفلسطينيين. إن هذه الرواية المضللة تأتي في سياق محاولات أكبر لإلقاء اللوم على مصر
في الأزمة الإنسانية التي يعاني منها القطاع، وتبرير ممارسات أخرى تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.
يهدف هذا التشويه المتعمد إلى إثارة الرأي العام العالمي ضد مصر، وخلق حالة من الاحتقان الداخلي والإقليمي.
ولم يقتصر الضغط على الجانب الإعلامي، بل امتد ليشمل محاولات الدفع ببعض الشباب
وربما المحرضين، لإغلاق أبواب السفارات المصرية حول العالم.
هذه التحركات، التي تفتقر إلى الفهم العميق لتعقيدات الموقف تخدم أجندات خفية تسعى
إلى إرباك الدبلوماسية المصرية، وعزل مصر عن محيطها الدولي
وتصويرها كدولة غير مستقرة وغير قادرة على إدارة شؤونها الخارجية. يتزامن كل ذلك
مع تراجع ملحوظ في الدعم الخليجي
لمصر، الذي كان بمثابة شريان حياة للاقتصاد المصري في أوقات سابقة.
هذا التراجع، الذي قد يكون مدفوعًا بتغيرات في الأولويات الإقليمية أو بتأثير الضغوط الخارجية
يزيد من الأعباء الاقتصادية على مصر،
ويهدف إلى إضعاف قدرتها على الصمود أمام التحديات المتزايدة. وفي خضم هذه التحديات الجسيمة
تبرز يقظة القيادة المصرية وتحليها بضبط النفس كعوامل حاسمة في الحفاظ على تماسك الدولة
ورفضها للمخططات الرامية لجرها إلى الهاوية.
لقد أدركت القيادة المصرية، منذ البداية، خطورة هذه الأجندات الخبيثة، وعملت بذكاء وحنكة على التعامل معها.
تتجلى هذه اليقظة في التمسك الثابت بمبدأ حل الدولتين كسبيل وحيد وعادل للقضية الفلسطينية.
ترفض مصر رفضًا قاطعًا فكرة التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم، وتعتبر ذلك خطًا أحمر
لا يمكن تجاوزه، لما له من تداعيات كارثية على الأمن القومي المصري والعربي، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
إن هذا الموقف الثابت يعكس التزام مصر التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، وإدراكها أن تصفية
هذه القضية لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.
إن صمود مصر في وجه هذه الضغوط، وتمسكها بمبادئها، وضبطها للنفس في مواجهة الاستفزازات
لا يعكس فقط قدرة الدولة المصرية على حماية مصالحها، بل يؤكد أيضًا دورها المحوري
كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط.
ورغم محاولات التشويه والضغط، تظل مصر صوت العقل والحكمة، وتعمل جاهدة على نزع فتيل الأزمات
والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وضمان مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة بأسرها.
د. عنتر عثمان ابوزيد
جريدة الأهرام الجديد الكندية
