واصف ماجد
“أنا مش عايزة غير حقي”… بهذه العبارة أنهت آمال سمير عزيز استغاثتها، بعد أن أنهكها العنف سنوات، وسُحقت هي وطفلاها بين جدران منزل وزوج اختلط فيه القسوة بالإدمان، وبين مؤسسة كنسية ما زالت ترى في الطلاق خطًا أحمر لا يُخترق، حتى لو فاضت الدماء.
آمال، ثلاثينية من مدينة الخصوص، تزوجت عام 2012 من شخص يُدعى كريم ش.ص
في زيجة تقليدية تمت عبر “الصالونات”، ولم تكن تعلم أن أبواب الجحيم ستُفتح عليها من ليلة الزفاف.
لم يمض وقت طويل حتى بدأ مسلسل الإهانة والضرب، دون سبب، سوى أن “مزاجه كده”
كما كان يرد الزوج كلما سألته: “عملت لك إيه؟”
حكت آمال في استغاثة موجعة نشرتها عبر مواقع التواصل، أن زوجها كان يعود من عمله
فينهال عليها ضربًا وشتائم، في وجود والديه اللذين لم يكونا مجرد شهود على العنف
بل طرفًا فيه.
تقول إن والدته كانت توقظها من الفجر لتخدمها هي وزوجها كخادمة بينما كان الزوج يتفنن في إذلالها وتعنيفها.
ومع تكرار الاعتداءات، لجأت آمال أكثر من مرة إلى الشرطة، وقدّمت تقارير طبية ومحاضر رسمية
وطرقت أبواب الكنيسة طلبًا للطلاق أو على الأقل الحماية. لكن الإجابة كانت واحدة:
“ارجعي بيتك”. فالأهل يرفضون فكرة الانفصال، والكنيسة لا ترى في الضرب سببًا كافيًا للطلاق.
العنف لا يُعدّ في لوائح الأحوال الشخصية جريمة تبرر إنهاء الزواج.
لكن الأمر تجاوز حدود الإهانة.
في يوليو 2021، وبينما كانت الأسرة تتناول العشاء دون أي خلاف قام الزوج فجأة بإغلاق باب الشقة
وألقى بالمفتاح فوق دولاب “النيش”، وانهال عليها ضربًا جنونيًا
وهو يردد: “مش هسيبك غير لما أشوف دمك”.
بعد ساعات من التعذيب، اتصل بوالدة زوجته قائلًا: “تعالي خدي جثة بنتك”
لتجد الأم ابنتها في حالة يُرثى لها، وأطفالها في أوضاع أسوأ.
أطفال في مرمى العنف
ما روته آمال عن أطفالها لا يقل قسوة. قالت إن ابنها كان يتعرض للشد من شعره حتى يتساقط بجلده
وكان الزوج يعلّقه في منتصف الصالة ويجلده. أما الطفلة الصغيرة، فكانت تُحرَق بالسجائر
وحُلق شعرها بـ”ماكينة حلاقة”.
كل هذا وقع أمام الأم، التي لم تكن تملك سوى البكاء، بينما لا طلاق، ولا مأوى، ولا جهة تحميها.
الواقعة أعادت فتح ملف مسكوت عنه: معاناة النساء المعنفات داخل منظومة الأحوال الشخصية
للكنيسة الأرثوذكسية، حيث تُعدّ فرص الطلاق شبه معدومة، إلا في حالات محدودة للغاية
على رأسها الزنا أو تغيير الدين.
أما العنف الجسدي أو النفسي، فلا يعترف به كمبرر للانفصال، ما يترك الكثيرات في دوامة من المعاناة
ويدفعهن للبقاء في زيجات تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
الملف المُعلق
ورغم محاولات متكررة من نشطاء ومهتمين لتعديل لائحة الأحوال الشخصية الخاصة بالمسيحيين
بحيث تعترف بالعنف الأسري كأحد الأسباب الجذرية التي تُهدد كيان الأسرة وتستوجب الطلاق
إلا أن الملف لا يزال مجمدًا، والكنيسة تتمسك بموقفها اللاهوتي، بينما تتساقط الضحايا.
آمال ليست حالة استثنائية، بل واحدة من مئات، وربما آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن ضحايا لعنف زوجي
مستمر، دون حق في الانفصال، أو حتى تصريح بالزواج الثاني لاحقًا. ما يجعل المأساة مركّبة
والنجاة منها أقرب للمستحيل.
صوت يطلب الإنصاف
وسط كل ذلك، خرجت آمال بصوت متهدّج تطلب “الحق”، لا الانتقام، وتناشد كل من يملك ضميرًا أو سلطة
أن ينقذها وأطفالها من المصير المجهول. دعوتها الموجّهة للمسلمين والمسيحيين على السواء
ليست صرخة يأس، بل محاولة أخيرة قبل الانهيار.
والسؤال الآن: هل ستظل الكنيسة صامتة؟ وهل يمكن لمأساة كتلك أن تمر مرور الكرام؟
الملف مفتوح، والدماء التي سقطت لا تحتمل التأجيل.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
