الأحد , يناير 18 2026
الكنيسة القبطية
السيدة العذراء

التأصيل التاريخي لصوم العذراء.. الصوم الذي فرضه الشعب على الكنيسة

كتبه: واصف ماجد

لم يكن صوم السيدة العذراء أحد الأصوام الكبرى التي فرضتها الكنيسة على المؤمنين عبر قرار رسمي أو مجمع كنسي، لكنه صوم اكتسب أهميته من الاتجاه المعاكس؛ إذ نشأ شعبيًا أولًا، ثم احتضنته الكنيسة لاحقًا، ليصبح من أكثر الممارسات النسكية شيوعًا في التقويم القبطي.

أصل الصوم.. روايات رسل وعذارى وجبل الزيتون

تُرجع بعض المخطوطات الكنسية بداية هذا الصوم إلى زمن الرسل أنفسهم، في تقليد يحمل طابعًا روحيًا فريدًا. فبعدما دُفن جسد السيدة العذراء في القبر بالجثمانية، سمع الآباء الرسل أصوات تسابيح وتراتيل تصعد من القبر لمدة ثلاثة أيام، ثم انقطعت فجأة.

وفي ذلك التوقيت، كان توما الرسول عائدًا من الهند التي كان يبشر فيها، وعند اقترابه من أورشليم

رأى جسد العذراء محمولًا على أجنحة الملائكة صاعدًا إلى السماء، فاقترب أحد الملائكة منه وطلب إليه

أن يتقدم ليأخذ بركة الجسد، وقد حصل حينها على زنار ثوب العذراء.

بعد وصول توما إلى الرسل، روى لهم ما حدث، فقرروا معًا فتح القبر، لكنهم لم يجدوا الجسد.

وعلى إثر هذه الرؤية، قرر الرسل أن يصوموا خمسة عشر يومًا لطلب إعلان إلهي حول سر الاختفاء، فانتهى الصوم بنفس المشهد السماوي الذي رآه توما، وهو صعود جسد العذراء محمولًا بالتراتيل على أجنحة الملائكة

في رؤية روحية استثنائية.

في رواية أخرى، يقال إن السيدة العذراء نفسها هي من أسست هذا الصوم، إذ اعتادت على زيارة قبر السيد

المسيح بعد صعوده، وكانت تواظب على العبادة والصلاة هناك، يرافقها مجموعة من العذارى الزاهدات.

وقد شكلن نواة جماعة نسكية تُعرف باسم “عذارى جبل الزيتون”، عشن حياة تقشف وصلاة، حتى ارتبط الصوم بالعذراء لأنها صامته بنفسها وعلّمته للغير.

من صوم شعبي إلى ممارسة كنسية

رغم أن صوم العذراء يُصنّف ضمن أصوام الدرجة الثانية – أي يُسمح فيه بتناول السمك – إلا أن الممارسة الشعبية تجاوزت هذا التصنيف.

فالكثير من المؤمنين يختارون بإرادتهم الصوم بدرجة أعلى من النسك، مثل الامتناع عن الزيوت

أو حتى الاكتفاء بالماء والملح، وهناك من ينذر تطويل مدة الصوم لتصل إلى شهر كامل بدلًا من خمسة عشر

يومًا، وهو ما يعكس طابعًا وجدانيًا خاصًا لهذا الصوم لا يتكرر في غيره.

وتكمن فرادة صوم العذراء في كونه الصوم الوحيد الذي بدأ من الشعب، لا من سلطة الكنيسة

ثم تحوّل إلى ممارسة رسمية برغبة جماعية.

فبينما تأتي بقية الأصوام بتكليفات صادرة عن المجامع أو التقاليد الكنسية

جاء هذا الصوم بدافع المحبة، ففرض الشعب على الكنيسة تكريسه ضمن التقويم الطقسي.

نهضات كنسية وعلامة روحية عامة

يمتاز صوم العذراء بكونه موسمًا غنيًا بالنهضات الروحية في معظم الكنائس، لا سيما الكنائس التي تحمل اسم السيدة العذراء، حيث تُنظّم برامج تعليمية وخدمات وعظية وصلوات يومية طوال فترة الصوم.

لكن الامتداد لا يتوقف عند هذا الحد، فاسم العذراء باعتبارها “أم جميع القديسين” جعل من نهضاتها ظاهرة

تشمل جميع الكنائس، لتتحول فترة صومها إلى محطة روحية عامة، تُستثمر في التأمل والصلاة وتجديد العلاقة بالله.

صوم المحبة.. لا القرار

بذلك، يُعدّ صوم العذراء حالة فريدة في التاريخ الكنسي، فهو ليس مجرد التزام طقسي، بل تعبير حي عن محبة شعبية فرضت وجودها.

إنه صوم نشأ من التعلق بشخص العذراء، لا من سلطة المجامع، وصمد كأحد أكثر المواسم الروحية حيوية

في الكنيسة القبطية.

شاهد أيضاً

إيطاليا

مقتل طالب ثانوي مصري فى إيطاليا أمام زملائه طعنه زميله المغربي

مقتل طالب ثانوي مصري 19 عام في الفصل وامام زملائه و معلمه ، طعـنه زميله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.