هناك فصيلة جديدة من مدّعي الإعلام لا تبحث عن الحقيقة، ولا تحترم العقل، ولا تلتزم حتى بأبسط قواعد المهنة… فهؤلاء لا يحتاجون إلى دليل أو مصدر أو حتى منطق، يكفيهم لوحة مفاتيح، وخيال ملوّث، ورغبة مَرَضية في أن يصبحوا “تريند” ولو على جثة سمعة بريء، أو ثقة وطن بأكمله.
الصحافة الصفراء اليوم لم تعد “تنقل الخبر”… بل تصنعه على مقاس الإثارة الرخيصة، وتطرّزه بشائعات ملونة
ثم تبيعه لجمهور يبحث عن الدهشة حتى لو كانت مزيفة. ينامون على وسادة الأكاذيب
ويستيقظون على إفطار من التحريض، ثم يبدؤون يومهم بجرعة “اتهامات مجانية” توزَّع بلا ضمير:
شخص ناجح؟ إذن لا بد أن يكون فاسدًا. مؤسسة قوية؟ إذن هي بالتأكيد مشبوهة. دولة مستقرة؟
إذن “لازم نشكك”!
هؤلاء لا يعرفون ما معنى كلمة “وجه حق”؛ عندهم الاتهام أرخص من رغيف الخبز، والبراءة عندهم
مملة لدرجة لا تستحق النشر.
المأساة الحقيقية أن ضحاياهم ليسوا مجرد أفراد، بل مؤسسات وطنية تعمل وتحارب وتبني، بينما هم يحاربونها بكلمة كاذبة وعنوان مسموم.
والأكثر كوميدية من كل هذا هو مشهد “المواقع المتقلبة”: تكتب اليوم “مصادر خاصة: فلان ارتكب جريمة”
وبعد أسبوع تنشر “المصادر تؤكد: فلان بريء”.
لكن من يقرأ التصحيح؟ الكذبة الأولى كانت قد شربها الجمهور حتى الثمالة، أما الحقيقة فتموت
عطشًا في سطر باهت.
إنهم تجار في سوق النميمة، عملتهم ليست المال فقط، بل خراب سمعة الناس، وتآكل الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
ولأن الحقيقة أنبل وأبقى، فالمعركة معهم ليست بالردح، بل بالمقاطعة: لا نشارك أخبارهم
لا نصدّق عناوينهم، نتركهم يغرقون في مستنقعهم حتى آخر نفس.
إلى كل من يبيع الوهم تحت اسم “الصحافة”: تذكّروا أن الأوطان لا يهزها كاذب
وأن القلم الذي يكتب الزيف لن يخلّده التاريخ إلا في فصل “الخونة والمرتزقة”.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
