بقلم أشرف ميلاد روكسي
بدأت هذه التساؤلات، أو قل الدعاوى، في الظهور في مصر منذ عدة أعوام مدفوعة بعوامل كثيرة، قد يكون منها، الظروف الاقتصادية الطارئة الصعبة التي تعيشها مصر في الآونة الأخيرة، أو حملات مجهولة المصدر، فتأتي فجأة، وتختفي فجأة، ولا نعلم على وجه اليقين مصدرها، أو الغرض منها، أو اعتقاد البعض أن الدولة المصرية
( أو على الأقل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، تمنح هؤلاء اللاجئين رواتب شهرية بمئات الدولارات، بينما يعاني المواطن المصري شظف العيش، ناهيك عن أن قطاعا كبيرا من المواطنين لا زالوا أسرى لتلك الفكرة الخاطئة التي تذهب إلى أن مصر تستضيف على أراضيها، ما يربو على عشرة ملايين لاجئ، وحقيقة القول، فإن هذه المفاهيم والتصورات الخاصة تحتاج للمراجعة وتفنيد وتوضيح للرؤى الصحيحة لهذا الموضوع.
بطبيعة الحال، فإن عدم وضوح الرؤية في بعض القضايا يفتح الباب للاجتهادات، وربما الشائعات التي قد يساهم البعض في ترويجها بحسن نية، أو في بعض الأحيان عن عمد، لكن ما لا نستطيع تجاهله، هو أننا لا بد أن نوضح للرأي العام حقيقة الأمر؛ منعا لأي لغط قد يؤدي للفهم الخاطئ للموضوع.
للأسف قد بدأت إرهاصات ذلك بالفعل- لحملات كراهية ضد من تسميهم الدولة المصرية– مشكورة- في خطابها الرسمي “ضيوفنا”.
ونعود إلى هذا التساؤل الذي ربما طرحه غير المتخصصين مستنكرين، أن تستقبل بلادهم أبناء دول شقيقة تشاركنا التاريخ أوالجغرافيا أواللغة… إلخ. بل أن هناك دعوات غير مسئولة تنادى بترحيل اللاجئين من مصر، وكأن اللاجئين الذين يقل تعدادهم عن الواحد بالمائة من سكان مصر هم سبب مشكلاتنا المزمنة، مطالبين بأن ننتهك القانون الدولي واتفاقيات دولية، وقعت وصادقت مصر عليها بإرادتها، بل انتهاك الدستور المصري الذي يحظر في مادته رقم 91 تسليم اللاجئين.
لماذا تستقبل مصر اللاجئين؟
الحقيقة، أنه قبل أن تقوم الأمم المتحدة بصياغة اتفاقية 1951 الخاصة بوضعية اللاجئين ( والتي كانت مصر وتركيا، هما الدولتين الوحيدتين من منطقة الشرق الأوسط اللتين شاركتا في صياغة هذه الاتفاقية )، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 428، فقرة (v) بإنشاء مكتب المفوض السامي للاجئين بتاريخ 14 سبتمبر 1950 ليتولى أمور اللاجئين في العالم.
يعني هذا الكلام، أن عدم تصديق أية دولة على اتفاقية اللاجئين، لا يعني أنها تتنصل من التزامها الأممي بقبول اللاجئين على أراضيها.
أضف إلى ذلك فإن اتفاقية 1951 -والتي تعد هي وبروتوكول 1967 المكمل لها هي الوثيقة الأم
لحماية اللاجئين، حيث تنص في المادة 44 منها على إنه يجوز للدول التي وافقت على الالتزام
بأحكام هذه الاتفاقية وقبول حماية اللاجئين، من حقها أن تنسحب من الاتفاقية بموجب خطاب موجه
إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويصبح الانسحاب ساريا بعد عام من إرسال الخطاب.
أي أن الدولة المصرية لا ترى أي سبب في التنصل من الالتزام الاختياري المتمثل في المصادقة على اتفاقية اللاجئين حتى الآن.
هناك بالطبع جهود تقوم بها الدولة المصرية لتقنين الوضع أكثر، وجعل كل ما يتعلق بأمور اللاجئين بيد الدولة المصرية، لا بيد مفوضية اللاجئين، ولكن يبدو أن هذا الآن يسير بخطى متعثرة، حتى أن اللائحة التنفيذية
لقانون لجوء الأجانب لم تصدر رغم مرور فترة الستة أشهر المقررة لذلك.
موقف مصر التاريخي لحماية وتوفيق أوضاع اللاجئين
على الجانب الآخر، فسجل وموقف مصر التاريخي في استقبال وحماية اللاجئين، لا يقبل أية مزايدة ولا يقبل أن يُمحى؛ بسبب بعض الأمور العابرة التي قد تصدمنا من وقت لآخر.
فمنذ آلاف السنين، ومصر مقصد لكل من واجه اضطهادا أو حربا أو حتى مجاعة، ما لا يتسع المجال هنا لذكر حالات النزوح الجماعي إلى مصر، لكن نكتفي هنا ببعض الحالات في القرن العشرين.
فقبل أن يتبلور مفهوم اللجوء عالميا في الأمم المتحدة، بل قبل قيام الأمم المتحدة نفسها بثلاثين عام، كانت مصر ملجأ للأرمن الفارين من المذابح التركية ضدهم، والتي بدأت في إبريل 1915، حيث استقبلت مصر سفن تتبع البحرية الفرنسية، والتي أنقذت ما يقارب السبعة عشر ألفا من الأرمن في مدينة بورسعيد، أولا في مخيمات مؤقتة، ثم سرعان ما انتقلوا إلى القاهرة والإسكندرية، ثم هاجر بعضهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وعاد البعض الآخر إلى بلده
بعد أن استقرت الأوضاع هناك، ولم ينسوا أن علقوا هذه اللافتة الشهيرة باللغة العربية، والتي تقول:
“إننا ندين بالجميل للشعب المصري النبيل”، والتي تحتفظ بها الذاكرة الإنسانية، والتي تعبر عن العرفان بجميل مصر في استقبال وحماية من فروا من حرب الإبادة الجماعية.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
