واصف ماجد
أثار تصريح المطران الأنبا برسوم، مطران صنبو و ديروط بأسيوط ، جدلًا على منصات التواصل الاجتماعي بعد أن وصف قداسة البابا تواضروس الثاني بأنه “الكلمة”.
بعض المتابعين اعتبروا التعبير غير لائق لاهوتيًا، بينما رأى آخرون أنه مجازي وأدبي لا يمس العقيدة.
الجدل انطلق من الخلط بين استخدام كلمة “الكلمة” بالمعنى الكتابي الوارد في مقدمة إنجيل يوحنا:
“في البدء كان الكلمة”، وهو لقب لاهوتي خاص بالمسيح باعتباره الأقنوم الثاني “الابن الكلمة”
وبين استخدامها في الخطاب الأدبي أو الثقافي للدلالة على النور والمبدأ والحرية والكرامة.
المطران في كلمته قال: “قداسة البابا الكلمة، وعندما تكون الكلمة تبطل كل الكلمات”.
استخدامه لصيغة المؤنث في “تكون” يشير إلى المعنى المجازي للكلمة بوصفها قيمة أو مبدأ
لا إلى الأقنوم اللاهوتي. وهو ما اعتبره عدد من المراقبين دليلًا على أن المقصود كان تشبيه البابا
بالشخص الذي يجسد الكلمة المضيئة في معناها الأدبي، لا وصفه بالـ”لوجوس” كما استخدمه يوحنا الإنجيلي.
المصطلح نفسه حاضر بقوة في الأدب الحديث. فنجد الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي
يقول علي لسان الأمام الحسين : “الكلمة نور.. إن الرجل هو الكلمة”.
الشرقاوي لم يقصد دلالة لاهوتية، بل جعل الكلمة رمزًا للعدل والحرية والحق. هذا الاستخدام الثقافي
متداول في الفكر العربي، ويعتمد على إعلاء شأن الكلمة كمعبر عن الشرف والضمير الإنساني.
النقاشات التي تلت تصريح المطران تكشف حساسية التعبيرات الدينية حين تُستخدم في المجال العام.
فبينما يتعامل الخطاب الكنسي مع كلمة “الكلمة” كاصطلاح لاهوتي محدد لا يقبل التأويل
تتعامل الثقافة العربية معها بوصفها استعارة أدبية مفتوحة. التداخل بين المجالين
قد يؤدي إلى سوء فهم، وهو ما برز في ردود الأفعال المتباينة.
ويرى باحثون أن التمييز بين السياقين ضروري لتفادي إثارة الجدل غير المبرر
خصوصًا أن المطران لم يشر صراحة إلى أي معنى عقائدي. بل إن استخدامه جاء أقرب إلى وصف البابا
بأنه “الكلمة التي تبطل سائر الكلمات”، أي الصوت الجامع والمعبّر عن الموقف المبدئي.
هذه الواقعة تعكس في النهاية كيف يمكن أن تثير مفردة واحدة نقاشًا واسعًا
حين تلتقي الحدود الدقيقة للمصطلحات اللاهوتية مع اتساع الاستخدام الأدبي والثقافي للغة.
وبينما يحرص رجال الكنيسة على التزام الدقة العقائدية، يبقى المجال الأدبي أوسع في منح المعاني
وهو ما يستدعي دائمًا قراءة التصريحات في ضوء السياق الذي قيلت فيه.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
