عندما يتحول الألم إلى لون فأنت على عتبات سرد دقيق التفاصيل من الرؤى اللونية لعالم يهيم في فضاءات اللوحة والسؤال لكن..ماذا حين يتحول الألم إلى مسافات شاسعة بمقدار السعة مابين ” الشهيق و الزفير..ما بين رعشة القلب وشهقة الروح ..هي المسافة ذاتها من الوريد إلى الوريد” فأنت حتما أمام تفاصيل لنص أدبي متخم
بالجنون والحقيقة والخيال يعرج بنا إلى عالم من الأرواح الناسكة بالخلق والإبداع في مملكة سليمان
“أنا مليكة من الجن كنت أخدم في مملكة سليمان وكان قلبي متعبا ..أحصيت شرايين قلبك عدا لحظة أن صافحتني
فقدرتك على كتابة التفاصيل تخيفني ” يجيب صاحب الفرشاة السائح في رحابات المملكة
“أنا لا أكتب التفاصيل بل أرسمها ” بينما هو في حقيقة الأمر يكتب اللون بمهارة حاذق ويرسم النص
ليتشكل إلى شظايا بنفسج لإمرأة تتخلق على مهل تقشر اللون عن جسدها بمسطح اللوحة ” أنا عرافة اللون ..إمرأة البنفسج التى تمسح
عن خصلات شعرها صوت الرعد وأبخرة النهر المسجور..امرأة تشتعل أنفاسها باللون ويشتبك شهيقها
مع زفيرها ..فأنت الذي نفخت الروح فيّ فكيف تجهلني الآن ..أنت الذي اشعلت ألآف القصائد في دمي
فكيف الآن لا تدري
أنت من بدأ الكتابة عن فراديسي وميلاد القصيدة بيننا ” لذا كان من الحتمي أن تدق نواقيس المملكة المحتشدة بأرواح فِتْية مشتعلة قلوبهم بإعادة ترتيب كيان اللوحة والقصيدة .. ربما من الضرورة أو الأجدى للقارئ
قبل أن يعرج إلى عالم المملكة أن يمر قبلا في زيارة لونية لعاريات مودلياني وليمتلئ بالوجد من تفاصيل
عناق الفرشاة مع البقع اللونية في لوحات الفنان أحمد الجنايني غير أن في رحلة الدخول
إلى عالم مملكة سليمان ستحظى فيها أنك ستقشر عن روحك كل ماتعلق بها
من ماديات وأغبرة معطلة للانطلاق لتدخل مشدوها إلى جوقة مقدسة من ملائكة التراتيل والصلوات
والأناشيد والعزف بالقيثارات والأزاميل والنقش المخلص على المحاريب هو سليمان النبي والملك ابن داود
النبي والملك الذي كتب أسفاره الثلاثة ..الجامعة والأمثال (الحكمة ) والنشيد ..والتى دوما هي الملهمة في لغة الأدب السامي
بل وفي الموسيقا شاهقة التألق وايقاعات بجعات البالية ” انا لحبيبي وحبيبي لي ..ها أنت جميلة ياحبيبتي..عيناك حمامتان من تحت نقابك ..أين ذهب حبيبك أيتها الجميلة بين النساء ؟ أين توجه فنطلبه معك “
وما السبيل إذن للعروج إلى ساحات المملكة ..فعلى صاحب الفرشاة وحده أن يأخذ مخاطرة الولوج
واكتشاف هذا العالم السري والأسطوري ” هأنذا أصعد ..لا أدري إلى أين ..ولا أعرف كيف..لكنني لم أعد أنا ..أصبح جسدي خفيفا كالبالونة تصاعد في الفضاء ..أريد أعرف أين أنا
ماذا يعني كل هذا الحشد من الكائنات .وماذا تعني تلك الأصوات المدثرة بموسيقا القيثارة والبوق والمزمار..
لا أفهم شيئا كأني أخطو نحو عالم مكدس بالجنون ،” ويبتسم لنبي الرمل والزبد متشبثا به..
يلاحقه توقا إلى عالم الخلاص
والنقاء ” يا صاحب الأجنحة المتكسرة خذني معك ” .. ومازال في رهبةالولوج الأعمق إلى عالم المملكة
حتى دفعت إلى أصبعه إحدى الجنيات بخاتم سليمان ” أهداني سليمان سرا مما يملك واقسمت له أن احتفظ به
كي يبقى معي ..سوف أدع هذا الخاتم في بنصر يدك اليمنى أرجوك لا تخلعه أبدا..سوف يساعدك كثيرا .
” في محاولة من صاحب الفرشاة الاّ يبتعله الجنون والرؤى الزمنية المتشابكة كمحاولة لإعادة الترتيب
الوجداني يقول لإمراة خرافية ليست من لحم ولا من دم ولا ماء أو طين لكنها حقيقة يراها تتشكل
على مسطح اللوحة “اسمحي لي أن أعيد ترتيب الشهيق و الزفير ..أن اقفز في النهر فأطهرني من جنوني او أخلص الجنون مني ..ياإلهي لا وقت للجنون “
ياللبراعة ..حين تذوب الألوان معا مع الأرواح المتمردة لجبران وعذراء النشيد فيتخلق لونا جديدا غير مألوفا
لكنه الأكثر جاذبية.. هذا يحدث ليس في بقع اللون فقط بل أيضا في رؤى السرد الأدبي لفردوس الخلاص الروحي
للنص واللون ..حينها يصبح النص ضوءً يضم سائر من دأبوا يبحثون عن الخلاص والحرية فيقبضون
على الضوء..على الحقيقة ..هم من تمردوا على المألوف فصاروا طيورا تحلق ولا تموت بل تفتش
عمن يشابهها تمردا
وجنونا ونقاء غفوة هي كانت أمام حامل الرسم وأبخرة قدح الشاي التى تتشكل وتتجسد فيها الحقيقة المؤكدة
بتلاقي الأرواح المخلصة والصديقة وأن المسافات تتلاشي وتذوب في لحظة التوهج الابداعي المشترك بينها
مهما بلغ البعد الجغرافي والزمن .
لذا قد نظن أن الكاتب يجتهد ويستدعي مثلا عذراء النشيد أو يفتش عن صفصافة الضوء
أو جيني الحبيبة لمودلياني أو عرافة القلب أو أنه هو الذي يطرق باب النبوة لجبران لكن الحقيقة أن هؤلاء
وأكثر يعرفون صاحب الفرشاة حق المعرفة.. ويحرصون على الالتقاء والتحدث إليه واطلاعه على الأسرار
حتى المرأة الكنعانية المثقلة بأوجاع الهوية والأرض والزعتر والكروم النعناع الحاملة لمخطوط عتيق
كانت تعرفه فقصدته بعينه ..هي التى تبحث عن ابن داوود صاحب المملكة تقول لصاحب الفرشاة شاكية مترجية ”
أريد أن اتحدث إليه..ابن داوود ..فابنتي ليست مجنونة وأنا لست من الكلاب الضالة ..ثمة قطاع طرق غرباء فريسيون ومدعون وصديقون نسل أولاد الأفاعي ..تسللوا الى تخومنا .
أحرقوا بيوتنا وكرومنا
قتلوا أطفالنا ونساءنا وشيوخنا ونصرخ ياداود ياداود انقذنا ..رأيتهم يتبادلون عذرائي اغتصابا وفصلوا رأس زوجي عن جسده امامي ورائحة الدم لاتفارقني ..ومن ذلك الحين وأنا أبحث عنه ..أرجوك خذني إليه…
لقد تعبت قدماي من المسير ولا أحد يفهمني ..لكني أثق بك سوف تدلني وتأخذني إليه ..” لتفاجيء صاحب الفرشاة “
من أعطاك هذا الخاتم أيها الولد الطيب ؟ ..نعم الخاتم الذي في إصبعك ..” لتقفز به في الحال إلى هول عظيم
من الدهشة قالت ” إذا أنت تعرفه ..اتوسل إليك خذني إليه..ليحصد الحق المهدور ..إن اخذتني إليه سوف تكون
معي لأقول له أنا خزانة الوطن ..وتكون شاهدا ” أن ابنتي لم تكن مجنونة لكنها كانت تحرس الكروم
وتشعل النار للجوعى وتغني أناشيدك يا بن داوود ..أنا نائمة وقلبي مستيقظ ..صوت حبيبي قارعا ..افتحي لي يا اختي
ياحبيبتي ياحمامتي ياكاملتي .لأن رأسي امتلأ من الطل ..وقصصي من ندى الليل ..” وياللا العجب ان تكون ثمة علاقة بين النقوش التى على سرة الخاتم وتلك التى في صفحات المخطوط العتيق”
فهي لأسماء الملائكة المحيطين بالعرش والكرسي الموكلين بالأرواح جميعهم يساعدون من يخلص في محبته لله ”
وفيما تبحث المراة الكنعانية أيضا عن فردوس الخلاص يأتي نداء من صاحب الفرشاة يلاحق النبي
“يا صاحب الأجنحة المتكسرة خذني معك ”

* حين تنسلخ عنا أكفان الجسد ..اللون الأبيض الصريح.. يصبح من السهولة التلاقي بلا قيد
وهاهم أنبياء الكلمة والموسيقا هم الذين بأرواحهم رافقوا صاحب الفرشاة في كل الأمكنة بل وعلى علم بكافة النبوات التى رافقت دربه لحتى اشتعل القلب على راحته
هاهم يتنقلون معه بين شوارع جبيل شمال لبنان وارتفاعات وانخفاضات باد بنت هايم ..
ألمانيا درب شفيف ومتعب للغاية من مزيج الحب والالم فيخبره جبران
” كما يحتاج الصلصال ال حرارة عالية ليشتد هكذا الحب لايكتمل إلاّ بالالم .”
وهكذا وتكمل عذابات القلب وبصبح مخترع الجمال مؤهلا لممكلة الخلاص ذاتها الفكرة الفلسفية الصوفية
التى كتبتها الناسكة الألمانية باسلينا شلينك في كتابها الحب إعداد للالم ..إذ الألم هو الطريق الى التطهير الروحي
الذي يمنح المرء سرا من أسرار الملك هو جبران أيضا إذ انجذب إلى عالم السرد بلسان الأنبياء قديما
كما أشعيا ودانيال وداوود كما دثر الكثير من النصوص بعباءة المسيح الفضلى ” بعد قليل لاترونني ..بعد قليل ترونني .. ” فليس غريبا إذا أن تتحد روح الخلق الابداعي لدى المبدعين عبر لحظة سرمدية يبتغون رحابات مقدسة
توافق جنونهم المقدس ليست متوفرة على الأرض ..فيعرف جميعهم كل آخر ويحبه.. وأنه ليس ثمة فاصل
زمني أو روحي بينهم “مودلياني كان نبيلا..كان يرى اشياء لايراها الآخرون ..كان إعصارا غريبا
بذلك لم يكن له أن يواصل الحياة بين عالم غريب عنه ..لذا ساعدة ملاك الرب في رحلة الخلاص ..وأنت عرفته
عبر الحلم فالتقاك وكما أحببته أحبك ” ثم يحكينا مع جبران ” أيها النبيل كن بخير ليس ثمة ما يجب أن
يوجع وجداناتك فصاحب الأجنحة المتكسرة يعرف جيدا طريق الخلاص ويعرف المسافة
بين اكتمال المحبة وعذابات الألم ”
* الأرواح المخلصة لا تموت لكن يضيق بها عالم معتم متراكم الغبار.. ومن فردوسه الحر يربت النبي صاحب
الرمل والزبد على كتف صاحب الفرشاة ” أنا حي مثلك ..وأنا الآن أقف بجانبك فاغمض عينيك وتراني أمامك ”
* حين يكون الحب مضفورا بعذابات القلب تعلمك الحكمة سرا من أسرار سليمان فتقول مليكة من الجن
” علمني سليمان من حكمته سرا ..فيمكنني أن اختزل به المسافات وأن أطوي البلدان ..فأمضي من حيث شئت
إلى حيث أشاء ..شريطة أن أخلص لسيدي ..كان ذلك عهدا بيننا لذا أهداني خاتما احتفظ به في أصبعي.
فالخاتم يحفظ سرا كما احفظ أنا سر الحكمة لسليمان ..”
* غفوة هي أمام حامل الرسم أو ربما صحوة .. “عن يميني لم أجد أحدا ..وليس عن يساري أحد ..ولا أمامي .
حتى جبران يفعل مافعلته العرافة وصاحب القيثارة والسيدة الخمرية ذات العيون السوداء ” والمرأة العجوز التى امسكت بالمخطوط انصرفت وهي تجهش بالبكاء
“سأبحث عن سليمان.. فقمت مسرعا لأقطع الطريق إليهم ..وإذ بي أصطدم بحامل الرسم في مرسمي .
فصحوت من غفوتي لأجدني امام اللوحة التى مازالت ماثلة أمامي
يا إلهي ثمة امرأة تقشر اللون عن جسدها وتزيل عن عينيها ظلال ألوان تبوح بأسرار خلق وبعث جديد
ببنما يأتي من هناك صوت المنشدين ” أين ذهب حبيبك أيتها الجميلة بين النساء..حبيبي نزل إلى جنته
إلى خمائل الطيب يرعى في الجنات ويجمع السوسن ..”
* الزمن عند صاحب الفرشاة هو زمن سرمدي يطرح التساؤلات تاركا الإجابات تحلق في رحابات فردوس
من الألق الصادق لأحياء لايموتون أبدا ..
” فحتى مايطلق عليه بنهاية الرواية غير محسوم يقول ” اعتقد أني ربما انتهيت من تلك الرواية ” وهو محق فالابداع الخالص لايصل أبدا إلى الكمال أو المنتهى ” لا أعرف على وجه التحديد أين كانت جغرافيا السرد فيها
فاشتبك الاعتراف بالذاكرة والخيال.. لا أدري تماما أين تقف عقارب ساعتي وأين تصحو عقارب قلبي
كل ما أدهشني أن ثمة بقع لونية تشبه كثيرا زهرة البنفسج أكاد أجزم أني اعرفها وأنها حتما تبوح لي بسر
حين ألتقيها مرة أخرى” ثمة إجابات متطايرة
ربما هناك مطلع آخر لدق نواقيش المملكة التى لم تبعد مرة عن المرسم المسكون باللون والجنون لتستقبل المزيد من المعرفة والسؤال سعيا للخلاص
جريدة الأهرام الجديد الكندية
