ماجد سوس
المشاعر في حياة الإنسان هي جوهر أعماله وروح إيمانه. أن يشعر الإنسان بالآخر يعني أن يسبق قلبه لسانه، وأن تتجلى أمامه الرحمة قبل الإدانة، وأن يُرى الإنسانية في الآخر قبل أن يُرى ضعفاته.
فكم من خصومات وخلافات لم يكن سببها الذنب نفسه، بل غياب مشاعر الرأفة الإنسانية التي تجعل الشخص
لا يرى أخطاءه ولا يشعر باحتياج الآخر للحب. أتعجب من إنسان ينام قرير العين، وفي بيته من ينام مثقلًا
بالحزن، أو يتقلب عاجزًا عن النوم.
أتعجب كيف يمكن للقسوة أو الإهمال أن تعمي القلب إلى هذا الحد، فلا يلتفت إلى أن كلمة جافة
أو تجاهلًا طويلًا، قد يتحول في نفس الآخر إلى تعب نفسي صامت.
فليس كل ألم يُرى، وليس كل وجع يُقال، وبعض القلوب تنكسر لأنها لم تجد من يشعر بها.
الأب الذي يشعر بأولاده ويحتضنهم باستمرار يربّيهم على الطمأنينة لا على الخوف
ويدرك أن الاحتواء يسبق التوجيه، وأن الفهم أعمق أثرًا من العقاب.
والزوج الذي يشعر بزوجته، والزوجة التي تشعر بزوجها، يبنيان علاقة قائمة على ثلاثية الحب والاحترام والتسامح، لا على علاقة روتينية مملة.
فالشعور الإيجابي المتبادل الغامر بكلمات الحب والعرفان والحضن الأسري الدائم هو الذي يحفظ البيوت
من الفشل ومن القسوة، ويجعل الاختلاف لا الخلاف مساحة إصلاح وبناء لا كسر وهدم.
ولا يتوقف واجب الشعور عند الآباء، بل يمتد إلى الأبناء حين يكبر الوالدان وتضعف قواهما.
هذا هو الوقت الذي يجب فيه أن يشعر الأبناء بآبائهم في كِبرهم هو في الحقيقة يمثل أصدق معاني البر
والوفاء، أن ينتبهوا لوحدتهم، ولحاجتهم للكلمة المملوءة بالحب قبل الخدمة أو الزيارة الفاترة.
فبرّ الوالدين إحساس قبل أن يكون فعلًا، ورحمة قبل أن يكون التزامًا.
وفي محيط العمل والمجتمع، يصبح الشعور بالزملاء والأصدقاء ضرورة تظهر جوهر الإنسان ومعدنه وتربيته.
أن يحتمل الضعفاء وأن يشجعهم ويلتمس الأعذار، وأن يدرك أن لكل إنسان معركة خفية، إخفاقات نفسية
تجعلنا نشعر بضعفاته كما يشعر الله بضعفاتنا ويسندنا.
أما رجل الدين، والراعي والقائد فمسؤوليته أعظم، لأنه يتعامل مع قلوب متعبة قبل أن يتعامل مع خطاة.
دوره أن يُقوّم لا أن يُحطّم، وأن يفتح باب الرجاء لا أن يُغلقه، وأن يُعلّم الناس أن السقوط ليس نهاية الطريق
بل سرعة القيام هي العودة له.
فالدعوة التي تزرع الخوف واليأس تُنفر، بينما الدعوة التي تبث الطمأنينة تُصلح وتُحيي.
وتقوي عزائم الناس وتزيل اتعاب النفس وإخفاقات الروح.
إن المشاعر النقية المحبة للآخر، في بعدها الروحي، ليست عاطفة عابرة، بل عبادة حقيقية صامتة يحتاجها الناس أكثر من مئات العظات وتعاملاتنا اليومية في كل مناحي الحياة بمشاعر نقية غير ظانة بالسوء قد تمتد لتعفر سوء الظن هي ما تفرح قلب الله وتجعله يكثر من ستره وغفرانه ويحسب الإنساني لابسا الروح دون أن يدري.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
