الجمعة , أبريل 10 2026
أخبار عاجلة
هناء ثروت

هوس الترند : عندما يصبح اللايك أهم من الحقيقة

في زمن السوشيال ميديا، لم يعد “الترند” مجرد موضوع شائع، بل أصبح هدفًا في حد ذاته.

أي حدث يحدث — صغيرًا كان أو كبيرًا — نجد عشرات الهواتف مرفوعة، وكل شخص يسارع إلى التصوير والنشر قبل أن يسأل نفسه: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل المعلومة صحيحة أصلًا؟

لكن ما هو الترند؟

الترند هو الموضوع أو الحدث الذي يحقق أعلى نسبة تداول وتفاعل في وقت قصير على منصات مثل Facebook وInstagram وTikTok وX وغيرها من المنصات التي تعرض الآراء والفيديوهات.

ومع انتشار هذه الظاهرة ظهرت مهنة “البلوجر”، حيث ينشر صانع المحتوى فيديوهات أو “ريلز” على مواقع التواصل، يجمع من خلالها الإعجابات والمشاركات ويحقق أرباحًا مادية.

ولتحقيق هذا الانتشار، يلجأ البعض إلى عناوين جذابة قد تكون مضللة أو مبالغًا فيها، في مشهد يذكّرنا بما كان يُعرف قديمًا بـ“الصحافة الصفراء”، التي كانت تثير الضجة أحيانًا دون تحرٍ كافٍ للدقة.

في الماضي، كان الخبر يمر بمراحل واضحة: يُتأكد منه، ويُراجع، ثم يُنشر. أما اليوم، فأصبح السبق أهم من الدقة، والانتشار أسرع من التفكير.

تحول الأمر إلى سباق: من ينشر أولًا؟ من يحقق مشاهدات أكثر؟ من يجمع أكبر عدد من الإعجابات والتعليقات والمتابعين؟

والنتيجة أن البعض بات يصور أي شجار، أو حادث، أو موقف خاص — أحيانًا دون إذن — ودون مراعاة لمشاعر الآخرين أو خصوصيتهم، وكأن الكاميرا أصبحت أهم من الإنسان نفسه.

لكن لماذا وصل الأمر إلى هذا الحد ؟ لأن حب الظهور يمنح شعورًا لحظيًا بالأهمية، ولأن التفاعل الرقمي أصبح عند البعض مقياسًا للقيمة والنجاح.

كما أن وجود أرباح مادية مرتبطة بعدد المشاهدات خلق دافعًا إضافيًا لملاحقة كل ما هو مثير، يضاف إلى ذلك شعور الخوف من فوات الفرصة، ذلك الإحساس بأن التأخر في النشر يعني ضياع اللحظة والاهتمام.

المشكلة أن هذه السرعة كثيرًا ما تصنع كوارث : نشر أخبار غير دقيقة يثير البلبلة، وتشويه سمعة أشخاص أبرياء، وانتهاك خصوصية أناس في لحظات ضعف، وتضخيم أحداث بسيطة حتى تتحول إلى أزمات حقيقية.

كم مرة شاهدنا فيديو ينتشر بسرعة هائلة، ثم يتبين بعد ساعات أن الحقيقة مختلفة تمامًا؟

لكن في تلك اللحظة يكون الضرر قد وقع، والسمعة قد تأثرت، والناس كوّنت أحكامها بالفعل.

وقد يتساءل البعض: أليس التصوير وسيلة لكشف الجرائم وحماية المجتمع ؟ أليس التوثيق سببًا في ضبط كثير

من المخالفين؟ بالتأكيد، التوثيق لعب دورًا مهمًا في كشف وقائع كانت ستضيع دون دليل، وساهم في تحقيق العدالة في مواقف عديدة.

المشكلة ليست في التوثيق ذاته، بل في غياب الوعي والتمييز بين ما يخدم الحقيقة وما يلهث فقط وراء الإثارة.

الفارق كبير بين توثيق مسؤول يهدف إلى إظهار الحقيقة، وبين نشر متسرع يسعى إلى التفاعل

ولو على حساب الآخرين.

الهوس بالتصوير والنشر جعل بعض الناس يتعاملون مع الحياة وكأنها محتوى دائم.

بدل أن نعيش اللحظة، أصبحنا نفكر: “هل أصور هذا؟ هل أنشره؟

هل سيحقق تفاعلًا؟” أحيانًا نكتفي بمشاهدة الموقف من خلف الشاشة بدل أن نشارك فيه بإنسانيتنا.

الحل ليس في ترك وسائل التواصل، بل في استخدامها بوعي. أن نتأكد من المعلومة قبل مشاركتها

وأن نحترم خصوصية الآخرين، وأن نسأل أنفسنا: هل ما أنشره سيفيد أحدًا؟ أم أنه مجرد سعي وراء الإعجابات؟

علينا أن نتذكر أن الترند مؤقت، لكن أثر الكلمة أو الصورة قد يبقى سنوات.

في النهاية، الترند ليس عدوًا، بل اختبارًا لوعينا.

التكنولوجيا أداة، ونحن من نحدد طريقة استخدامها. قد يمنحنا “اللايك” شعورًا لحظيًا بالرضا، لكن راحة الضمير أعمق وأبقى.

وربما يبقى السؤال الأهم قبل أن نضغط زر “نشر”:

هل أنقل حقيقة… أم أركض وراء ترند؟

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

موضوع الأسلمة  من منظور تسويقي

كيرلس إسكندر مين الفئة المستهدفة من المسيحيين؟ الأشخاص الأكثر فقرًا في مصر، وناس منغلقة تبحث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.