الثلاثاء , مارس 10 2026
هالة جابر
هالة جابر

“أحيانًا لا تكون الكتابة هروبًا من الحياة… بل طريقًا لفهمها.”

بقلم / هالة جابر

بين ضفتين.. الكتابة كجسرٍ للعبور نحو الذات يقولون إن الاغتراب هو ارتحال الجسد خلف حدود الجغرافيا، لكن الحقيقة أن الغربة الأعمق هي أن يسكن الإنسان في أمسه وهو يحاول العبور إلى غده.

في رحلتي بين ضفتين، لم يكن القلم مجرد أداة لتدوين الخواطر، بل كان بوصلة تعيد توجيه الروح كلما ضلّت الطريق وسط ضجيج الوعود الزائفة أو صمت الخذلان.

فالكتابة، في جوهرها، ليست فعلًا لغويًا فحسب، بل فعل وعي. لحظة يتوقف فيها الإنسان أمام ذاته، كمن يقف على ضفة نهر يتأمل الماء وهو يمضي، فيدرك أن ما جرى لن يعود، لكن فهمه لما جرى قد يغيّر الكثير.

حين نكتب، لا نحكي القصص فقط، بل نعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الحياة داخلنا.

نجمع شتات اللحظات التي بدت يومًا بلا معنى، ونمنحها سياقًا جديدًا يجعلها أقل قسوة وأكثر قابلية للفهم.

كثيرون يظنون أن الكتابة نوع من الهروب، لكنها في الحقيقة مواجهة من نوع آخر.

مواجهة هادئة لا ضجيج فيها، لكنها أكثر صدقًا من كثير من المعارك التي نخوضها في الخارج.

فالإنسان حين يكتب، يخلع الأقنعة التي اعتاد ارتداءها أمام العالم، ويجلس للحظة أمام نفسه

كما هي: بضعفها، بأسئلتها، وبكل ما حاول طويلًا أن يؤجله أو يتجاهله.

ولهذا كانت الكتابة دائمًا ملاذًا للروح القلقة.

فهي لا تمنحنا أجوبة جاهزة، لكنها تمنحنا شيئًا أهم : القدرة على رؤية الطريق.

إنها تذكّرنا بأن ما نمر به ليس نهاية الحكاية، بل مجرد فصل منها.

وأن الإنسان، مهما بدا أسيرًا لظروفه، يظل قادرًا على إعادة صياغة قصته.

في الكتابة نستعيد حقنا في الحكاية.

لا نعود مجرد شخصيات عابرة في روايات الآخرين، بل نصبح أصحاب الصوت الذي يروي، ويختار، ويمنح المعنى.

ولعل أجمل ما تمنحه الكتابة للإنسان أنها تعلّمه المسافة… المسافة التي تجعله يرى الأحداث بوضوح أكبر، فلا يغرق تمامًا في الألم، ولا يتوه كليًا في الحنين.

من هذه المسافة يولد الفهم، ومن الفهم يولد السلام.

ولهذا لا تكون الكتابة مجرد كلمات تُقرأ، بل تجربة تُعاش.

إنها محاولة مستمرة لترميم الداخل، وإعادة بناء الجسور التي انهارت بين الإنسان ونفسه.

وربما لهذا السبب، كلما ضاقت الحياة، عاد كثيرون إلى الورق… ليس لأنهم يملكون الإجابات

بل لأنهم يبحثون عنها.

ففي نهاية الأمر، قد يعبر الإنسان مدنًا كثيرة في حياته، ويقطع مسافات طويلة

في الخارج، لكن الرحلة الأهم تظل دائمًا تلك التي يعبر فيها نحو ذاته.

وهنا تصبح الكتابة أكثر من مجرد فعل إبداعي؛ تصبح طريقًا للنجاة، وجسرًا هادئًا يعيد الإنسان من ضفة الضياع… إلى ضفة المعنى.

هالة جابر
هالة جابر

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

الكلب اللي فضح جيل مؤمن بحاله

الإجتهاد المستمر بتصنيف انتشار حالات اغتصاب الأطفال والرضع حتى الموت واغتصاب الحيوانات إلى ما يسمى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.