الخميس , مارس 19 2026
الكنيسة القبطية
كمال زاخر

كتبي والمتربصون ولجانهم

كمال زاخر

“لم يحدث أن تباينت المواقف، ومن ثم ردود الأفعال، مثلما حدث مع ظهور “العلمانيون” كتيار فكرى فى الشارع القبطى بل والمصرى بالأساس، إذ تراوحت تلك المواقف وردود الأفعال بين اعتبارهم تياراً إصلاحياً طال غيابه وبين اعتبارهم تياراً هداماً تم زرعه داخل الكنيسة من جهات “ما” لتقويض وهدم مسيرة النهضة التى يقودها قداسة البابا شنودة الثالث، ولم يتوقف واحد من الرافضين ليقرأ ما قدموه من رؤى ودراسات وأوراق أو لتحليل ما عقدوه من مؤتمرات وما خرجوا به من توصيات.

” كانت هذه كلمات السطور الأولى من تقديم أول كتاب صدر لي “العلمانيون والكنيسة” 2009

وحرصت على أن تكون النسخة الأولى منه على مكتب قداسة البابا شنودة الثالث فور صدوره، وهو تقليد بدأته

مع صدور كتيب “الأب دانيال؛ المصداقية ـ الاختراق ـ النكوص” والذي اصدرته قبل نحو ثلاثة عقود من الزمان نوفمبر 1991

عبر الأنبا موسى اسقف الشباب، في كليهما، واستمر هذا التقليد مع كل كتاب يصدر لي كنت اضعه بين يدي قداسة البابا تواضروس الثاني، وكانت البداية مع قداسته مبكرة، نوفمبر 2012

فور إعلان اسمه في القرعة الهيكلية، إذ حملت له، ذات الكتاب ومعه ملف يضم أوراق وتوصيات مؤتمرات

التيار العلماني القبطي السنوية “2006 ـ 2010” وكلها كانت تتناول الإشكاليات الكنسية وقتها، وكانت جلساتها معلنة ومفتوحة للكافة.

وعلى فترات متباعدة، نسبياً، أصدرت:

• كتاب “قراءة في واقعنا الكنسي ـ شهادة ورؤية” 2015

• كتاب “الكنيسة … صراع أم مخاض ميلاد” ـ قراءة في مصادمات الفرقاء؛الجذور والمستقبل 2019• كتاب “كنيستنا القبطية إلى أين؟” ـ المسارات، الطموحات، المخاطر 2026.

وكان حرصي الدائم فيما أصدرته أن تتضمن اطروحاتي عرض الإشكاليات التي تتعرض لها ومناخاتها الخاصة

داخل الكنيسة والعامة خارجها، ثم تصورات حلها على ارض الواقع، سعياً لكنيسة قادرة على اداء رسالتها.

وفي ختام تقديم الكتاب الأخير في هذه السلسلة جاءت هذه الكلمات:”كان حرصي أن أجرد قلمي من الانحيازات

إلا لما أحسبه حقاً، وحرصت علي عدم توظيف كلماتي لتصفية حسابات معلقة، أو انتصاراً لتيار أو جانب

من اطراف الأحداث التي اطرقها، وحاولت قدر الطاقة الإلتزام بالموضوعية، وأزعم اننى نجحت في ذلك.

ويلحظ القارئ حرصي علي تقديم رؤيتي في تفكيك الاشكإلىات التي اقتربت منها، وهى رؤية تشكلت

بامتداد سنوات عمري التي طالت، لعلها تصادف من يفحصها ويحولها إلى واقع معيش

لهذا كنت أقول لمن يسألني لمن تكتب؟

أننى اكتب للأجيال الواعدة الأوفر حظاً في التعاطي مع المعرفة، وتتوق لأن تتعرف علي كنيستها عن قرب

ولأجيال قادمة متحررة من الوشائج الشخصية الآنية مع الشخوص والأحداث.

لهؤلاء اكتب.”أما لماذا كان حرصي على أن أودع ما اكتبه بين يدي قداسة البابا سواء البابا شنودة

ثم البابا تواضروس، فمرده أنني أطرق باب صاحب القرار والمسئول الأول عن تدبير الكنيسة

وربما لاستيعابي أن الشماس بحسب الدسقولية هو عين وأذن الأسقف، ينقل اليه نبض وأنين واشكاليات الكنيسة.

وفي هذا السياق شَرُفت على المستوى الشخصي بلقاء خاص مع قداسة البابا شنودة ثلاث مرات

كان اللقاء الأول عقب صدور كتيب “الأب دانيال ـ المصداقية، الاختراق، النكوص” بحضور الأنبا بيسنتي

سكرتيره الخاص واسقف حلوان بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وجاء اللقاء الثاني على هامش مؤتمر

تأسيس ملتقى ومؤسسة مستقبل الفكر العربى بفندق رويال نايل تاور بالقاهرة، الإثنين 27 اكتوبر 2002، الذى نظمته

المملكة العرية السعودية، وكان موضوعه “الديانات السماوية والهوية العربية” عقب الإنتهاء من كلمته فيه.

أما اللقاء الثالث فكان على هامش لقاء جماعة الليونز بعدها بثلاثة أيام فى فندق سميرأميس بالقاهرة.

وشهد اللقاءان الأخيران الأساقفة أنبا يؤانس (اسقف اسيوط حالياً وسكرتير المجمع المقدس الحالي)

وانبا بيسنتى، وأنبا ارميا سكرتير قداسته.

واتسع صدر قداسته في اللقاءات الثلاثة لحوار لا تنقصه المصارحة

وامتد في اللقاء الثاني لما يقرب من الساعة.وشرُفت بلقاء قداسة البابا تواضروس لأربع مرات، الأول

في رحاب دير الأنبا بيشوي لتهنئته بوقوع اختيار القرعة الهيكلية عليه، نوفمبر 2012، وإعطاءه نسخة

من تقرير مَجَمَّع لأوراق وتوصيات مؤتمرات التيار العلماني أعوام 2006 ـ 2010، وكتابي “العلمانيون والكنيسة”

والثاني بمقره بدير الأنبا بيشوي لإهدائه كتابي “قراءة في واقعنا الكنسي” 2015، والثالث بالمقر البابوي

بالأنبا رويس بالعباسية لإهدائه كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟ ” 2019، ثم الرابع بالمقر البابوي بالعباسية لإهدائه كتابي “كنيستنا القبطية إلى أين؟” 2026.

واتسع صدر قداسته في اللقاءات الأربعة لحوار لا تنقصه المصارحة، وامتد في اللقاء الرابع

لما يقرب من الساعة والنصف.

وللكتابة معي حكاية موجزها أنها اقتحمتني بغير أن امتهنها، ولم تبرح حيز الهواية فيما كانت القراءة

شغفي الاحترافي الأول، لأسباب تتعلق بمناخات النشأة والتكوين حين كانت الكتب نافذتنا الأولى والأكبر

للتعرف على العالم حولنا، ومنها وقر في ذهني أن لكل حكاية طرفان وربما أكثر، والموضوعية تقضي

بأن اطرق أبواب اطرافها

حتي تكتمل اركانها عندي، فيأتي موقفي منها بغير انحيازات ذاتية، وبغير تأثر بضجيج طرف منها أو قدرته

على الترويج لروايته واقصاء وجهات نظر من يقفون على الشاطئ الأخر من الحكاية.

ولا استطيع أن أنكر أن هذا النهج كاد أن يعصف بي، وكدت معه أن افقد سلامي، لزمن ليس بقليل

في لحظات استدعيت فيها ما حدث مع الإنسان الأول حين اكل من شجرة معرفة الخير والشر

ربما بفعل فضوله ومحاولته فك أسرار حجبها عنه، حدث شئ من هذا عندما اقتربت من دوائر الكنيسة

رغم تحذيرات والدي ونصيحته

بأن احتفظ بمسافة بيني وبين تلك الدوائر، فتوالى أمام عينيَّ سقوط اوراق التين عندها، ومعها اهتزت

الصور الذهنية التي تشكلت عندي، وهالني مفارقات القول والفعل، لولا الأساسات التي ترسخت في روحي وقلبي

في بيت أبي وفي كنيستي البعيدة عن الأضواء وذلك الشيخ الوقور كاهنها المستنير، واليهم يعود الفضل

في ادراكي لعمق الإيمان المسيحي وقامة كنيستي وقيمتها، لولاهم لكنت على قائمة الملحدين التى يغذيها اولئك الذين سقطت عنهم أوراق التين.

لم أقع يوماً في أسر معلم أوحد، بل كنت كنحلة لا تهدأ، تمتص رحيق التعليم من حقول أرثوذكسية عديدة

اقتربت منها بوعي شكلته تلمذتي على كتب الآباء وبوصلتها الكتاب المقدس، بارشاد أبي الكاهن الشيخ

وخبراته الحياتية والكتابية والآبائية بآن.

في جلسات أمتدت في بعضها إلى تباشير فجر اليوم التالي حتي رحيله بشيبة صالحة وقلب مختبر للحياة في المسيح وحبه.

وسط ركام الصراعات عرفت قدماي الطريق إلى مختلف الاتجاهات، اتعرف عليها ولا تستغرقني، انصت اليها

بغير أن اتماهى فيها، اتفهم تباينات اطروحاتهم وأحسبها ثراءً طالما تأسست على القواعد الإيمانية السوية

في ايمانهم الثالوثي ولاهوت التجسد ومعطيات الفداء وامتداد آثارة وتداعياته للإنسان بانتقاله إلى دائرة البنوة،

وصيرورته خليقة جديدة في المسيح، وتبقي مساحات مشروعة لتعدد القراءات، وهو أمر نشهده في أراء

وتأويلات أباء الكنيسة المؤسسين، وقد فصَّلته في كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟”

تحت عنوان “اختلفوا فى الرأى وبقوا قديسين” قلت فيه:

(يحتفظ لنا التاريخ بنماذج عديدة لمعلمين كنسيين ثقاة اختلفوا فى قضايا كنسية وكتابية مهمة

الى درجة التضاد، ولم يقل احدهم بأن الأخر “هرطوقى”، لا فى عصره ولا فى العصور اللاحقة، لسلامة

الأرضية الإيمانية التى يقفون عليها وينطلقون منها.

” وذكرت أمثلة أختلف فيها القديس يوحنا ذهبي الفم مع العلامة اوريجانوس أبو التفسير الرمزي للكتاب

حول النجم الذى ظهر للمجوس : نجم حقيقى أم ملاك؟،واختلاف القديسون العلماء هيبوليتس وترتليانوس وباسيليوس الكبير، مع ما ذكره يشوع بن سيراخ فى سفره حول روح صموئيل.وثمة مثال أخر للاختلاف

حول تناول يهوذا، إذ راح ذهبى الفم واغسطينوس إلى تأكيد أنه تناول، وهو ما ذهب اليه قداس القديس

باسيليوس عند البيزنطيين

والذي يقول بأن يهوذا قد تناول “ان يهوذا هو ابن الافاعى الذين اكلوا المن فى القفر وتذمروا على المغذى ..

إذ كان الطعام بعد فى افواههم كانوا يتذمرون على الله فى قلوبهم، وكذلك هذا الردئ العبادة المتسلسل منهم إذ كان الخبز السماوى بعد فى فمه سلم المخلص”.

فيما يرى بعض من الآباء المحدثين أنه لم يتناول بل خرج قبل تأسيس سر الإفخارستيا.وفي كل هذا لم يُكِل أحد

تهمة الهرطقة لأي منهم ولم يعتبروا خارجين عن الإيمان، آباء قالوا رأياً وآباء قالوا عكسهم، وكلهم محسوبين

من معلمى الكنيسة الجامعة.

ننتهى من هذا إلى أن الرأى يقبل الإختلاف ولا ينتهى بهرطقة قائله، طالما هو يؤمن بإيمان الكنيسة

الذى قال به قانون الإيمان.

ويبقى الإختلاف فى الرأى محكوماً بعدم خروجه عن العقيدة العامة للكنيسة.)

تأسيساً على هذا يأتي موقفي من ظاهرة اللجان الإلكترونية التى تترصد كتابات عديد من المفكرين والكتّاب الذين

لا ينتهجون نهجهم، ويفكرون خارج سياقاتهم، والتي تتعقب كتاباتي ومواقفي، ويأخذ عليَّ كثيرون أنني لا اعقب عليها أو افندها، وقد ذهبتْ إلى وصفي بالمهرطق والمعادي للكنيسة (!!!)

مع قائمة اتهامات ساذجة ومتهافتة ممتدة، أقول أن كتاباتي موثقة فيما اصدرته من كتب، والتي حين انتقدوها

لم يقتربوا مما طرحته فيها، وظني أنهم لم يقرأوها، فقط أثارروا حولها غبار احاديث عن أنني قابلت فلان

وأقرأ لعلان، ومحسوب على هذا أو ذاك، بل من فرط سذاجتهم راحوا يروجون بأني اتخفى خلف اشخاص

يناصبون اساقفة العداء، بالمخالفة لمنهجي في المواجهة، وما حاجتي لهذا وقلمي لم يجف مداده بعد

وأوراقي مازلت مطروحة، تحمل تفكيكاً لقضايا تؤرق الكنيسة وتعوق مسيرتها، ولا تكتفي بمجرد طرحها

بل تقدم رؤى في حلولها بغية أن نصل إلى كنيسة قادرة على أن تصل برسالتها لمستحقيها.

إنهم يغازلون البسطاء بزعم دفاعهم عن الايمان الذي لا يرونه إلا في شخوص بعينهم

في حين أن الكنيسة هي امتداد للتنوع الذي كانه تلاميذ الرب يسوع المسيح، بهدف اعلان المسيح ومجده.

الكنيسة القبطية
كمال زاخر

شاهد أيضاً

الأمومة المدمرة

معقدة جدا مشاعر الأمومة التى مابين الغريزة والتملك والرفض.. مسلسل حكاية نرجس جزء من واقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.