نشر دياكون مكارى خطاب للمتنيح ماكس ميشيل أو الأنبا مكسيموس على صفحته الشخصة قال فيه أن خطاب كتبه الأنبا مكسيموس إليكم تفاصيله
القصة الكاملة – مقال مطول لكل من يريد أن يفهم الحقيقة دون وسيط كما كتبها الأنبا مكسيموس الأول بنفسه
إن كنت قد سمعت من أطراف أخرى فاسمع أيضًا من صاحب الشأن نفسه اقرأ الوجه الآخر من القصة
لماذا تأسست كنيسة القديس أثناسيوس؟ أكتب هذه الكلمات بنفسي، لأن من المهم أن يعرف الجيل الحالي حقيقة
ما جرى معنا، ولماذا وصلنا إلى تأسيس كنيسة القديس أثناسيوس، ولماذا لجأنا إلى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في أمريكا طلبًا لوضع اليد الرسولية، وحتى لا يُزوَّر التاريخ بعد رحيلي كما يحدث كثيرًا.
في بداياتي كنت أخدم داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنت من الجيل الذي انشغل بعمل الروح القدس ومواهبه، وبقراءة كتابات الآباء، وبالتحديد في كل ما يتعلق بحياة الكنيسة الأولى واختبارها الحي لعمل الله.
وفي هذه المرحلة كان من الشخصيات التي تركت أثرًا كبيرًا في حياتي الأنبا موسى، الذي كان وقتها
خادمًا مكرسًا في بني سويف قبل رسامته أسقفًا، وكان اسمه آنذاك الدكتور جميل عزيز. عندما
كنت أنا في بداية العشرينات من عمري، كان هو في نحو الخامسة والثلاثين، وكان بالنسبة
لي مثالًا نادرًا للخادم الذي لا يكتفي بالكلام عن المسيح، بل تعلن كلماته المسيح نفسه.
كنت أشعر وأنا أسمعه أن حضوره يحمل رائحة المسيح الذكية، وأنه يقدم مثالًا حيًا للمحبة المسيحية.
ولا أنسى موقفًا شخصيًا معه ظل راسخًا في ذاكرتي.
فقد خدمت معه في بني سويف في إحدى فترات الصيف، ثم دخلت المستشفى بعد ذلك لإجراء عملية اللوز.
وبعد العملية جاءني الأنبا موسي، وكانت الأحوال المادية في ذلك الوقت بسيطة جدًا، ومع ذلك أعطاني من مرتبه الخاص مبلغًا كبيرًا بالنسبة لظروفه.
لم يفعل ذلك في إطار استعراض أو تصنع، بل ببساطة وعفوية شديدة.
هكذا كان يعيش المحبة التي كان يعلّمنا إياها.
وكان الأنبا موسى / الدكتور جميل عزيز أيضًا أول من كلمني بصورة مباشرة عن أبونا متي المسكين.
أنا كنت قد رأيت كتب أبونا متى المسكين من قبل، لكنني لم أكن قد تعرفت عليه من خلال شخص عاش معه أو تتلمذ على يديه، ولم أكن بعد قد تعرفت على بيت التكريس، ولا على الدكتور نصحي، ولا على بقية تلاميذ أبونا متى المسكين.
ولهذا بقيت عبارته لي محفورة في ذهني حين قال: “أنا نفسي الكنيسة تسمع أبونا متى، علشان تسمع اللي عمرها ما سمعته.
“وقد بدت لي هذه العبارة وقتها كبيرة جدًا، لأنني كنت ما زلت في بداية الطريق، وأتساءل: ما الذي يقصده؟ وما الذي يمكن أن يقوله أبونا متى المسكين ولم تسمعه الكنيسة من قبل؟
لاحقًا، ومع تطور خدمتي، دخلت في حالة صراع داخل الكنيسة القبطية، وكان هذا الصراع في جوهره متعلقًا بفهم عمل الروح القدس ومواهبه.
أنا وآخرون من هذا الجيل، ومنهم من وردت أسماؤهم في الشهادات والحديث مثل أبونا دانيال والأب سيرافيم
الذي كان هو نفسه الدكتور عاطف عزيز في أسيوط، كنا مشغولين جدًا بهذا الملف.
كنا نرى أن هناك غنى آبائيًا كبيرًا في تعليم الكنيسة عن الروح القدس قد تراجع، وأن الحديث عن الروح القدس في الواقع العملي صار جامدًا، بينما كانت هناك مدرسة أخرى، مرتبطة بما كان يُقدَّم في إطار تعليم البابا شنودة ومدرسته، ترى أن أي تعبيرات مختلفة، أو أي تأكيد من نوع آخر على المواهب، هو خروج عن التعليم المستقيم.
أنا لا أكتب هنا لأفتح باب المشاجرة حول من كان مخطئًا ومن كان مصيبًا، بل لأشرح لماذا اتخذت موقفي.
فقد بلغت الأزمة ذروتها عندما كتبت مقالًا في مجلة مرقس عن الامتلاء بالروح القدس.
وقد رأى البعض أن هذا المقال يقدم تعليمًا خارج العقيدة كما يفهمونها.
وعندها استدعاني أسقفي في أبرشية الغربية، وكان بيني وبينه محبة حقيقية، وكان بالنسبة لي أبًا، ووضعني أمام خيارين واضحين لا لبس فيهما: إما أن أقول كما تقول المدرسة الرسمية في الكنيسة، وإما أن أترك الخدمة.
كان الكلام واضحًا جدًا.
إذا أردت أن أستمر في الخدمة داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فعليّ أن ألتزم بما يقولونه.
أما إذا كنت سأستمر في الكلام عن مواهب الروح القدس وتعليم الآباء في هذا الملف بالطريقة التي كنت أتكلم بها، فعليّ أن أترك الخدمة.
وكان هذا منذ اثنين وأربعين عامًا.
وحينها قلت له، بكل محبتي واحترامي: لا أستطيع أن أغيّر ما أقوله وما أؤمن به.
فقال لي إن النتيجة إذًا هي أن أترك الخدمة.
فوافقت.
وقد ودعني بمحبة، وأعطاني مرتب شهر إضافي، ثم خرجت. ومنذ ذلك التاريخ انتهت علاقتي بالخدمة
في الكنيسة القبطية بهذا المعنى.
أنا لا أنكر هذا الخلاف، بل أقر به بصراحة.
كما كانوا يرون أننا خارجون عن التعليم، كنت أنا أيضًا أرى أنهم قد ابتعدوا عن المنهج الأرثوذكسي الآبائي في فهمهم لعمل الروح القدس ومواهبه.
ولم يكن هذا عندي مجرد ادعاء أو انفعال شخصي، بل موقف قائم على دراسة وقراءة واطلاع.
فأنا لست ممن تكلموا بعشوائية، بل من الذين بحثوا ودرسوا وقرأوا كتابات الآباء، وسعوا إلى فهم المسألة على أسس لاهوتية واضحة.
بعد خروجي من الكنيسة القبطية، لم يكن هدفي أن أدخل في خصومة دائمة معها، بل أن أبدأ تأسيس الكنيسة على النحو الذي أراه أقرب إلى حياة الكنيسة الأولى.
في البداية لم تكن لدينا رسامات، ولا بنية قوية، ولا أرضية كنسية نستطيع أن نقف عليها بسهولة.
ولذلك عشنا أولًا كمجموعة مستقلة، نحيا الحياة المسيحية بالطريقة التي نؤمن بها، إلى أن اشترينا الأرض، وأقمنا المبنى، وسجلنا مؤسسة القديس أثناسيوس، ثم استقرت خدمتنا على هذا النحو.
لكن هناك وقائع مؤلمة عجّلت بحسم هذا الطريق، وكانت في نظري جرس إنذار واضحًا.
ومن هنا كتبت لاحقًا نص: “لماذا تأسست كنيسة القديس أثناسيوس؟” لأشرح هذه الأمور بنفسي.
كنا نخدم من خلال مؤسسة القديس أثناسيوس الرسولي في القاهرة وبعض الأقاليم، وكنا نقيم اجتماعات للصلاة من أجل المرضى بين الحين والآخر. وفي إحدى المرات، في فرع المؤسسة بـ الفيوم، حضرت سيدة لم تكن من المعتادات على حضور الاجتماعات، وكانت قد أمضت سنوات طويلة من زواجها دون أن تنجب.
وفي ذلك الاجتماع لمستها نعمة المسيح بالشفاء، وصارت حاملًا.
نحن لم نكن نعرف تفاصيل ما جرى، لكن حين زارهم الكاهن المسؤول عن منطقتهم، وأخبرته السيدة بما حدث لها في مؤسسة القديس أثناسيوس، نهرها بشدة، وطلب منها ألا تذهب مرة أخرى إلى المؤسسة، وهددها بأنها إن ذهبت فستُمنع من التناول، بل وحتى الطفل الذي في بطنها، بعد أن يولد، قد لا يُسمح بتعميده في الكنيسة.
ثم بعد ذلك بوقت قصير، أُبلغت أن مطران دمياط الراحل أمر بمنع الناس الذين يذهبون إلى أثناسيوس من حضور الكنيسة عندهم، بل وحتى من حضور الأفراح.
عندها شعرت أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف لاهوتي أو فكري، بل صار إقصاءً حقيقيًا، وأننا أصبحنا بحاجة إلى مذبح وكنيسة ووضع يد رسولي يحمينا ويمنحنا وجودًا كنسيًا حقيقيًا.
ومن هنا قررت أن أحكي للأساقفة في كنيسة أمريكا الأرثوذكسية – الذين كنت قد درست معهم الدكتوراه – ما يجري لنا في مصر، وأننا بحاجة إلى وضع اليد الرسولية، حتى يكون لنا في مصر مذبح وكنيسة أرثوذكسية لا تطرد من لمسهم المسيح، ولا تحرم من فرحت بالشفاء والإنجاب من المعمودية وحياة الكنيسة.
وفي مرحلة لاحقة فوجئت بإعلان منشور ضدي في جريدة الأهرام، لكنه لم يكن بصيغة إعلان، بل بصيغة خبر.
فسألت الصحفي المسؤول: لماذا نشرتم هذا ضدي؟ فقال لي إنهم لم يكتبوه من عندهم، بل إن البطرخانة هي التي أرسلت إليهم المادة، وهم فقط نشروها. وبعد ذلك جرى حوار صحفي معي.
وفي هذا الحوار كنت واضحًا: أنا لم تكن مشكلتي الأساسية مع كل عقائد الكنيسة، بل مع أشخاص، ومع طريقة إقصاء، ومع موقف من الخدمة.
كنت أقول: نحن ما زلنا نمارس الأسرار السبعة، ونعيش حياة كنسية، ولسنا خارجين عن المسيحية أو عن كل ما هو كنسي كما يُصوِّر البعض.
وفي نهاية هذا الحوار عُرض عليّ أن يتم ترتيب لقاء لي مع البابا.
لكنني في داخلي كنت قد حسمت أمري.
لم أكن مستعدًا للعودة إلى ما خرجت منه. في المرة الأولى خُيّرت فاخترت.
وفي المرة الثانية، حين فُتح الباب، رفضت.
لم يكن هذا بدافع العناد، بل لأنني كنت على وشك إنهاء الدكتوراه، وكانت عندي خطة واضحة: بعد أن أنتهي منها، أبدأ بشكل جاد إعادة تأسيس الكنيسة على أساس رسولي، وعلى أساس القواعد الأرثوذكسية كما أفهمها، وأكمل المشوار.
وهذا ما حدث بالفعل.
فقد استطعنا مع الوقت أن نشكّل النموذج الذي كنا نحلم به: أن نحتفظ بميراث الآباء الأولين، ونحتفظ بميراث الكنيسة الأرثوذكسية، ونضيف إليه الاهتمام الحقيقي والحي بـ مواهب الروح القدس.
كما دخلنا في تسلسل رسولي آخر غير التسلسل الذي خرجنا منه في الكنيسة القبطية.
وقد ارتبط هذا المسار – كما أوضحت في شهادتي – بخطوط أخرى منها ما يتصل بـ القديس بطرس، والكنيسة الروسية، والكنيسة السريانية في أمريكا، كما صارت لنا شركة مع جهات كنسية أخرى.
ولهذا أقول بوضوح: نحن لم نعد نطلب من أحد أن يعترف بنا على أننا جزء منه.
نحن اخترنا طريقًا آخر، ولسنا نطالب بالعودة، بل حتى عندما فُتح الباب رفضناه.
ومن هنا فإن رسالتي لمن لا يزالون يتكلمون عنا أو يحاكموننا هي: نحن لا نقول إننا جزء منكم، بل نقول بوضوح إننا منفصلون عنكم
فلماذا الإصرار على الحكم علينا وكأننا ما زلنا داخلكم؟ نحن اخترنا طريقنا، وأنتم اخترتم طريقكم
فليحترم كل طرف حرية الآخر.
كما أنني أؤكد أن قضيتنا ليست الكنيسة القبطية في ذاتها.
نحن لسنا مشغولين بالتبشير داخل كنائسكم، ولا بمنافسة أحد على أولاده.
نحن مشغولون بإنسان آخر: الإنسان البعيد، والإنسان الذي صار خارج الكنائس، والإنسان الذي لم تصل إليه رسالة الإنجيل، والذين تصفهم الإحصاءات اليوم بأنهم ملايين من الملحدين أو البعيدين عن الإيمان.
هؤلاء هم حقلنا الحقيقي، وهؤلاء هم الذين بدأنا من أجلهم، وما زلنا مستمرين.
هذه هي القصة باختصار الأمين:خرجت من الخدمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لأنني لم أستطع أن أقول ما لا أؤمن به، ورأيت أن هناك انحرافًا عن المنهج الأرثوذكسي الآبائي في فهم الروح القدس ومواهبه.
ثم أسست كنيسة القديس أثناسيوس لأنني أردت أن أعيش ما أؤمن به، وأن أبني كنيسة تحتفظ بميراث الآباء، وتحيا الإيمان الأرثوذكسي، وتعطي مكانًا حيًا لعمل الروح القدس، وتحمي المضطهدين والمرفوضين كنسيًا، وتلتفت إلى الإنسان البعيد الذي لم تصله رسالة الإنجيل.
نبذة مختصرة عن الأنبا مكسيموس الأول
الأنبا مكسيموس حنا بانوب هو رئيس الأساقفة ورئيس المجمع المقدس لكنيسة القديس أثناسيوس في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
وُلد بمدينة زفتى بمحافظة الغربية في مصر يوم 3 نوفمبر 1949، في أسرة مسيحية أرثوذكسية متدينة، ونشأ في إطار التقليد الأرثوذكسي الشرقي.
درس اللاهوت في الكلية الإكليريكية القبطية الأرثوذكسية، ونال درجة البكالوريوس في اللاهوت سنة 1972.
وبدأ خدمته في الكنيسة القبطية كشماس وخادم في أبرشية الغربية تحت قيادة الأنبا يؤنس، ثم انضم إلى جماعة “بيت التكريس” التي أسسها الأب متى المسكين،
أحد أبرز الشخصيات الإصلاحية في التاريخ القبطي الحديث.
خدم مع جماعة المكرسين حتى أسس مؤسسة القديس أثناسيوس بالقاهرة، وهي مؤسسة دينية غير هادفة للربح، امتدت خدمتها إلى فروع في مختلف محافظات مصر، في الدلتا والصعيد وغيرها.
وقد بلغ عدد عظاته الصوتية والمرئية المسجلة ما يقرب من خمسة آلاف عظة في الموضوعات الروحية والرعوية واللاهوتية.
كما ألّف عددًا من الكتب المسيحية، من بينها: حياة المسيح، صورة الله، لماذا وُلد يسوع، والمسيح مخلّص العالم.
وحصل لاحقًا على درجة الماجستير في اللاهوت من مدرسة سانت إلياس للاهوت الأرثوذكسي في سيوارد، نبراسكا، بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم نال درجة الدكتوراه في اللاهوت سنة 2004 من المؤسسة نفسها.
وفي يوليو 2005، تمت سيامته أسقفًا في الخلافة الرسولية وفقًا لقوانين الكنائس الأرثوذكسية المقدسة، على يد رؤساء أساقفة ومطارنة من الأرثوذكس في المهجر الأمريكي، وذلك في كاتدرائية القديسة كاثرين في سيوارد، نبراسكا.
ثم رُفع إلى رتبة رئيس أساقفة متروبوليت بقرار من المجمع المقدس في أغسطس 2006.
وفي عام 2008 صار عضوًا مؤسسًا في الشركة العالمية للكنائس الرسولية الكاثوليكية في البرازيل، كما تبادل يمين الشركة مع البطريرك دوم لويس فرناندو كاستيو منديز.
وفي عام 2019 أصبح عضوًا في أسقفية الكنيسة الأرثوذكسية الرسولية في روسيا، وعضوًا في المؤتمر الدائم للأساقفة الأرثوذكس الساعي إلى استعادة وحدة الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
كما يشغل منصب عميد ورئيس معهد القديس أثناسيوس للاهوت الآبائي، وهو معهد معتمد يمنح درجات جامعية ودراسات عليا، ويهتم بإعداد خدام ولاهوتيين يتميزون بالاستقامة العقائدية والرعاية الواعية.
وفي عام 2008 أسس قناة الراعي الصالح في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وامتد بثها من القمر الأمريكي إلى هوت بيرد ثم النايل سات، لتصل إلى جمهور واسع في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط والعالم العربي.
كما تشمل خدمته الإعلامية قناة على يوتيوب، وإذاعة، ومجلة، ومنصات رقمية متعددة.
كذلك أسس مؤسسة المصريين، وهي مؤسسة مجتمع مدني غير هادفة للربح، تضم نخبة من أصحاب الخبرات الفكرية والاجتماعية، وتعمل على رفع الوعي بالقضايا المهمة، والمساهمة في تقديم حلول وخدمات مؤثرة داخل المجتمع.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
