الإثنين , يونيو 8 2020
صلاح عبد السميع عبد الرازق

الاغتراب الأسرى والمجتمعي ..نتاج شبكات التواصل الاجتماعي .

الدكتور / صلاح عبد السميع عبد الرازق
شبكات التواصل الاجتماعي كثيرة ومتنوعة فى ظل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية ، وأشهرها الآن “الفيس بوك ” والذي أسسه ذلك الشاب الأمريكي ” مارك زوكربيرج” عام 2004، وعبر السنوات التالية للتأسيس أصبح ضمن أشهر وأغنى (35) شخصية على مستوى العالم ، ووصل عدد مستخدمي “الفيس بوك” أكثر من 850 مليون مستخدم على مستوى العالم.
والسؤال الآن إلى أي مدى حققت شبكات التواصل الاجتماعي الهدف من تأسيسها ؟
من المؤكد أن ذلك الموقع الذي بدأ بمشاركة المئات عقب تدشينه لأول مره ونشره عبر الويب ، إلى أن أصبح خلال سنوات معدودة يتجاوز (850) مليون مستخدم على مستوى العالم ،دليل على مدى تجاوب المستخدمين وانتشار ” الفيس بوك ” حتى أصبح داخل كل أسرة في عالمنا العربي بشكل خاص وهنا محور النقاش والهدف من المقال .
لست هنا بصدد التأريخ لمواقع التواصل الاجتماعي ولا لأنواعها ، ولكنى أكتب اليوم عن واقع انتشار تلك المواقع ومنها “الفيس بوك” في عالمنا العربي ومدى تأثير ذلك سلبا وإيجابا على الأسرة والمجتمع .
من المؤكد ان التواصل عن بعد قد أدى إلى تقريب المسافات الجغرافية وأدى بدوره الى تخطى الحاجز الجغرافي ، وفى ظل العولمة أصبح العالم قرية واحدة ، وساهم الفيس بوك وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي في سرعة نقل الخبر، وفى التواصل الصوتي والمرئي والكتابي بين المشاركين ، ولهذا أصبح المسافر البعيد قريب بفضل تلك التقنية ، وهنا أود أن أشير إلى انه بالرغم من ذلك الا أن المتابع لواقع استخدام “الفيس” وغيره من شبكات التواصل ، يرصد حالة الاغتراب النفسي داخل الأسرة الواحدة ، بل يرصد حالات الخصام الفيزيقي على مستوى الأفراد داخل الأسرة وفى محيط العائلة ، فقد غاب الجلوس مع الوالدين ، وغاب الحوار مع الجد والجدة ، غابت حدوتة قبل النوم ، أصبح الشعار كما يقول الشاعر ” القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب ” نعم كل فرد من أفراد الأسرة الواحدة يتواصل مع أصدقاء فى قارات مختلفة ولكنه لا يتواصل مع اقرب الناس إليه ، أصبح “الموبايل” وتطبيقاته المختلفة هو الصديق بل هو الأب والأم والأخ ، أصبح هو البديل فكانت المشكلة ، نعم إنها مشكلة الخصام الأسرى والمجتمعي، ذلك المفهوم الذي لم يكن يعرفه المجتمع ولا تعرفه الأسرة من قبل إلا في أضيق الحدود ، أصبح هو السائد الآن ، يكفى أن تنظر إلى أي أسرة تجلس في أي مكان عام ، من السهل أن تلاحظ أن كل فرد من أفراد الأسرة قد انشغل عن الآخرين “بالموبايل ” فقد غاب الحوار المباشر في المكان الذي يجب أن يكون فيه الحوار ، بقى الحوار الاليكتروني شعارا يرفع ، بينما غاب التواصل النفسي والفيزيقي بين أفراد الأسرة الواحدة والعائلة الواحدة ،وفي الوقت الذي كان يهدف مؤسس الفيس بوك ” “مارك” إلى أن يحقق تواصل اجتماعي بين طلاب الجامعة كهدف رئيس يحققه أول برنامج قام بتصميمه قبل الفيس بوك ، حتى يتيح للجميع الطلاب التعارف الاليكتروني ، إذا بنا بعد مرور تلك السنوات على إطلاق “الفيس بوك” نرى الوجه الآخر له ، والمتمثل فى ذلك العالم الافتراضي الذي يصنعه كل فرد من أفراد الأسرة ليعيش معه وبه ، من الطفل الصغير صاحب الثلاث سنوات مرورا بالشباب واستثنى هنا الشيوخ لأنهم من يدفع ضريبة هذا العالم الافتراضي، من خلال انشغال الأبناء والأحفاد بعالم الفيس وغيره على حساب الآباء والأجداد .
انه واقع مؤلم يستدعى ابتكار آليات تدفع نحو تواصل أسرى ومجتمعي يعيد مشاعر الدفء العائلي ، حيث كانت العائلة بعيداً عن العالم الافتراضي، يحنو الكبير على الصغير ، ويوقر الصغير الكبير ، حيث كانت الجدة تجلس لتحكى للأحفاد حدوتة قبل النوم ، ومع غروب الشمس يجلس الجميع ليتحدثوا وجها لوجه ، وليعبر كل فرد من أفراد العائلة عن مشاعره وعن آلامه وآماله، ومع بساطة الحياة وفى غياب الرفاهية ، الا أن الحساس بالوقت كان ذا معنى وقيمة ، وكانت البركة فى القليل ، وكان الحب قيمة تمارس في محيط الأسرة والعائلة ، وكان اجتماع أفراد العائلة الواحدة فى مكان واحد نموذجاً يعبر عن تماسك المجتمع .
ترى هل بات من الصعب العودة لاستدعاء ذلك المشهد في ظل العالم الافتراضي ؟ هل أصبح الفيس بوك وغيره من مواقع التواصل هو البديل ؟ متى ندرك أن البعيد عنك قريب والقريب منك أصبح أشد قرباً ” ؟
الإجابة عندما نبدأ بادراك خطورة القضية ، عندها يمكن للمجموع العام من خلال الوعي أن يطرح الحلول .

شاهد أيضاً

بالفيديو كارثة شمالي روسيا وبوتن يعلن الطوارئ

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن حالة الطوارئ في منطقة شمالي سيبيريا، بعد أن تسبب تسرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *