واصف ماجد
“إذا فسد التعليم، ضاع العدل، وإذا ضاع العدل، قامت الدولة على حافة الهاوية”
في كل بلد، هناك لحظات اختبار صامتة، لا تُدوَّن في السجلات الرسمية، لكنها تصرخ في ضمير المجتمع كله.
وما حدث في إحدى لجان امتحانات الكيمياء، حين تعرضت مراقبة قبطية لمحاولة اعتداء جسدي
وسباب طائفي، فقط لأنها منعت الغش، هو من هذه اللحظات.
قد يبدو الحادث فرديًا، لكنه أكثر كشفًا من ألف تقرير رسمي.
إنه مرآة. مرآة تكشف ما تحت الجلد، ما بين السطور، ما لا يُقال في المؤتمرات.
هنا نواجه سؤالًا بسيطًا ومعقدًا في آن: هل ما زال للقانون وزنٌ في مجتمع يُقنّن الغش عرفيًا، ويُجرّم من يمنعه؟
من الغش إلى الحق العرفي: كيف تُصنع الكارثة
توسّع الغش لم يعد مجرد خلل سلوكي عند بعض الطلاب، بل تحوّل إلى ممارسة يومية
يُنظر إليها كحق مكتسب، كأنها مقابل طبيعي لمعاناة التعليم الرديء.
المراقبة القبطية لم تمنع الغش فقط، بل خرقت “تحالف الصمت” الذي يُخفي التواطؤ الجماعي
خلف ستار “خليها تعدي”. ولهذا، لم يُر ما فعلته كواجب، بل كخيانة لتفاهمات غير مكتوبة.
هنا تبدأ الكارثة: حين تتحول الوظيفة الأخلاقية إلى عدوان، ويتحول القانوني إلى غريب
تُصبح المراقبة هي الجاني في أعين من يفترض أنهم أولياء المستقبل.
الطائفية كأداة: التذكير بالمكانة لا الدين
الشتيمة الطائفية لم تكن مجرد انفجار لفظي. كانت رسالة واضحة :
“إياكِ أن تظني أن لك سلطة !”
حين قيل لها “يا مسيحية يا…” لم يكن المقصود ديانتها فحسب، بل موقعها.
هذه جملة من نوع “التأديب الرمزي”، تقال لتُعيد الشخص إلى “الهامش المقبول” في مخيال الجماعة.
وهي تكشف أن بعض الشرائح لا ترى في المواطن القبطي شريكًا متساويًا، بل مكوّنًا مشروطًا
مقبولًا طالما بقي تحت السقف، ومرفوضًا إن وقف على قدميه.

المدرسة المتعدى عليه 
المدرسة المتعدى عليه
من الحماية إلى السيادة: الشرطة كممثلة لهيبة للدولة
حين تدخل أحد رجال الشرطة لحمايتها، كان هذا أكثر من مجرد تدخل أمني. لقد جسّد وظيفة الدولة العميقة:
أن تحمي من ينفّذ القانون، لا من ينتهكه.
في لحظة كادت تتحول إلى فوضى، تجلّت الجمهورية، ليس كشعار، بل كفعل.
حماية تلك السيدة لم تكن فقط انتصارًا لها، بل للدولة ذاتها. فالعدلُ إن لم يُجرِه الحُكامُ… فهو هواءٌ يُستنشقُ
في الأحلامِ
الغش كأزمة مجتمع : ليست تربية فقط بل ثقافة هذه الواقعة تطرح سؤالًا فلسفيًا أكثر مما هو تعليمي:
هل نحن نربي أبناءنا على احترام الحق، أم على التحايل عليه؟
هل المعلم والمراقب في وجدان الناس خصم؟
هل صارت المساواة عبئًا؟
وإذا كان الغش يُمنح عرفًا، فماذا تبقّى من فكرة العدالة؟
الغش هنا ليس سلوكًا شاذًا، بل بوابة إلى انحراف مجتمعي كامل: فساد صغير يُربّي على قبول الفساد الكبير، وغش بسيط يهيئ لقبول التزوير في كل شيء، من الأوراق إلى الضمائر.
الجمهورية الجديدة تبدأ من هنا
الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث مرارًا عن بناء “الجمهورية الجديدة”.
الجمهورية لا تقوم فقط على الكباري والمدن، بل على العدالة. على المواطنة.
على الشجاعة في مواجهة العُرف الفاسد، ولو بصوت فرد.
تلك السيدة – المراقبة القبطية – كانت صوتًا في صحراء من الصمت.
هي صورة مبكرة للجمهورية التي نريد وهي نفسها التي تحتاج إلى حماية قانونية، ورؤية سياسية، وثقافة شعبية تدعمها، لا تسحقها
ماذا بعد؟… حلول لا بد منها
1. تشريع فوري يغلّظ عقوبة الاعتداء على المراقبين، وخاصة إن كان مشوبًا بتمييز ديني أو طائفي.
2. برنامج تربوي وإعلامي يستهدف الوعي العام حول خطورة الغش، ليس بوصفه غشًا فقط، بل كجرح أخلاقي في ضمير الوطن.
3. تدريب رجال الشرطة على حماية رمزية الدولة في اللجان، وتعزيز وجودهم كداعم لا كزائر طارئ.
4. دمج قيم المواطنة في مناهج التعليم، بوصفها فعلًا يوميًا، لا مجرد موضوع في التربية الوطنية.
الكلمة الأخيرة: الحق لا يُهان
في النهاية، الحادثة لا تتعلق بمراقبة، ولا بامتحان. إنها اختبار شامل للضمير الوطني، ومؤشر صادق على ما وصلنا إليه من تداخل بين ضعف التعليم، وانحراف الوعي، وغياب الشعور بالمواطنة الكاملة.
لكن ما دامت هناك سيدة مصرية – أيا كانت ديانتها – تجرؤ على أن تقول: “لا” في وجه الغش، فهناك أمل.
“ويمضي الحقُّ في صمتٍ، وإن جاروا عليه ويحفظُه الزمانُ، ولو تخاذلت الجموعُ.”
جريدة الأهرام الجديد الكندية
