واصف ماجد
منذ جلوسه على الكرسي المرقسي عام 2012، قدّم قداسة البابا تواضروس الثاني نموذجًا فريدًا للأبوة الكنسية، يتجاوز حدود التعليم والطقس ليشمل الاحتضان والرعاية لكل أبناء الكنيسة دون استثناء.
ويظهر هذا النهج بوضوح في اهتمامه المتواصل بذوي الاحتياجات الخاصة، إذ لم يتعامل معهم كفئة هامشية
أو مجرد متلقين للخدمة، بل كشركاء في الحياة الكنسية، لهم مكانتهم ومواهبهم ورسالتهم.
ففي خطاباته الرعوية يكرر البابا كلمات مثل “أولادي” ، ليترجمها عمليًا عبر مبادرات ومشروعات تنموية
وروحية تدعم اندماج الجميع في جسد الكنيسة.
وقد كان لذوي الاحتياجات الخاصة نصيب بارز في هذه الرؤية، من خلال دعم مركز الخدمات الاجتماعية
التابع للكنيسة (BLESS)، وتشجيع الإيبارشيات في الداخل والخارج على إعداد برامج مخصصة تشمل التعليم
والتأهيل المهني، والأنشطة الروحية الموجهة.
هذه الرؤية المركزية لا تبقى حبيسة المقر البابوي، بل تجد طريقها إلى التنفيذ العملي عبر الأباء المطارنة
و الأساقفة والكهنة و كذلك الخدام في مختلف الإيبارشيات، حيث تتجسد على الأرض بخدمات وأنشطة مستمرة.
ومن الأمثلة البارزة مؤخرًا، ما شهدته إيبارشية حلوان والمعصرة من تنظيم لقاء
لخدام ذوي القدرات الخاصة بعنوان “شارك .
تقدر” في وادي النطرون، تضمن قداسًا إلهيًا ترأسه نيافة الأنبا ميخائيل أسقف الإيبارشية
في دير السيدة العذراء “البراموس“، بمشاركة 97 خادمًا وخادمة، إلى جانب أنشطة روحية وثقافية وتراثي .
وأعلن نيافة الأنبا ميخائيل خلال الفعاليات عن إقامة المؤتمر الأول لذوي القدرات الخاصة في سبتمبر المقبل
في خطوة تعكس تجاوب الإيبارشية مع نهج و توجيهات قداسة البابا في هذا الملف.
اللافت أن البابا تواضروس يتعامل مع هذا الملف من منظور طويل الأمد، حيث لا يراه عملًا خيريًا موسميًا
بل جزءًا أصيلًا من رسالة الكنيسة.

الأنبا ميخائيل مع خدام ذوي القدرات الخاصة بعنوان “شارك” 
الأنبا ميخائيل مع خدام ذوي القدرات الخاصة بعنوان “شارك” 
البابا تواضروس الثانى مع ذوى الاحتياجات الخاصة
فهو يدعو إلى إعداد الخدام نفسيًا وروحيًا للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وتغيير النظرة الاجتماعية
من الشفقة إلى المشاركة الفعالة ، مؤكدًا أنهم أصحاب دور ورسالة وليسوا مجرد متلقين للدعم.
وقد حمل البابا هذه الرسالة إلى محافل دولية، سواء من خلال مؤتمرات شبابية كبرى مثل “لوغوس”
الذي جمع شبابًا من 44 دولة، أو عبر لقاءاته مع قادة كنائس العالم، حيث طرح
ملف ذوي الاحتياجات الخاصة باعتباره علامة على نضج الكنيسة ووعيها بكرامة الإنسان.
الحدث في إيبارشية حلوان والمعصرة يمثل حلقة من سلسلة ممتدة تقودها أبوة قداسة البابا
وتترجمها أيادي شركائه في الخدمة الأباء المطارنة الأساقفة بمساعدة الأباء الكهنة و الخدام على أرض الواقع .
فالكنيسة، في رؤية قداسته، هي بيت الله المفتوح للجميع، حيث يجد كل ابن فيها مكانه ودوره وقيمته.
وبينما تتوالى هذه المبادرات، يبقى المشهد الأعمق أن قداسة البابا، في بساطته وهدوئه
يقود الكنيسة كأب يعرف أن مسؤوليته لا تقتصر على التعليم، بل تشمل الاحتضان، والرعاية
وإطلاق الطاقات الكامنة في كل شخص، لتصبح الخدمة الكنسية خبرة حياتية ملموسة يعيشها الجميع
جريدة الأهرام الجديد الكندية
