عز توفيق
قضية كيرلس حشمت ليست مجرد قضية سرعة، بل هي اختبار لنزاهة المنظومة القضائية وقدرتها على الوصول إلى الحقيقة المطلقة.
الدفاع هنا لا يطلب الشك لصالح موكله فحسب، بل يطالب بإثبات البراءة بشكل قاطع من خلال تفعيل الأدوات القانونية التي أوجدها المشرع المصري خصيصًا لكشف الحقيقة. البراءة يجب أن تبنى على أسس راسخة
تزيل أي لبس أو تشكيك.
المحور الأول:
تفعيل الأدلة الفنية والقانونية لإثبات البراءةالقانون المصري، وبشكل واضح في نصوص الإجراءات الجنائية
يمنح السلطة القضائية (نيابة عامة أو محكمة) أدوات حاسمة للوصول إلى الحقيقة.
إهمال هذه الأدوات أو التقصير في تطبيقها يشكل انتهاكًا لحقوق الدفاع ويهدد سلامة الإجراءات.
1. طلب إصدار أمر قضائي بتتبع الأجهزة تقنيًا :
الأساس القانوني: المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على:
“للمحكمة أن تأمر باتخاذ أي إجراء تراه مفيدًا لكشف الحقيقة…”.
· التطبيق في القضية: يقدم الدفاع طلبًا عاجلًا إلى النيابة العامة (أو المحكمة المختصة)
يُلزم الجهات المعنية (مباحث التكنولوجيا المتقدمة – الجهاز المركزي للمحاسبات – الجهة الإدارية المختصة)
بتقديم تقرير مفصل يشمل:
· تتبع سلسلة التوريد : تتبع المسار الإلكتروني والمادي للأجهزة منذ مغادرتها مستودعات وزارة التربية والتعليم،
مرورًا بكل جهة أو فرد تمت إيداعها لديه، وحتى وصولها إلى محل “كوكو أند أس”.
تحليل البيانات اللوغاريتمية :
فحص سجلات البيانات على الأجهزة نفسها (إن وجدت)
لتحديد أول مرة تم تشغيلها فيها، وتاريخ ضبطها على الوضع الحالي، وهو ما قد يثبت تعامل جهة أخرى معها قبل وصولها للمتهم.
· الاستعلام من الشركات المصنعة:
عن أرقام التسلسل (Serial Numbers) لهذه الأجهزة وتاريخ شحنها وتسليمها للوزارة.
· النتيجة المتوقعة:
هذا التتبع سيكشف بشكل قاطع الفراغ الزمني أو الثغرة المكانية التي حدثت فيها الجريمة.
إذا ثبت أن الأجهزة سُرقت أو تم التلاعب بها قبل أن تصل إلى كيرلس، فإن ذلك يقطع بأنه مجرد حائز حسن النية (حسب المادة 327 من القانون المدني) وليس فاعلاً أو شريكًا.
2. طلب إصدار أمر قضائي بمراقبة وتحليل الاتصالات :
الأساس القانوني: المادة 95 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تجيز للنيابة العامة (بإذن من رئيس المحكمة الابتدائية) الأمر بمراقبة وتسجيل المحادثات إذا كانت تفيد في كشف الحقيقة في جناية.
التطبيق في القضية:
يقدم الدفاع طلبًا بتحليل بيانات الاتصالات لكل الأطراف المشتبه في تورطهم (مندوبو الوزارة، ناقلو البضاعة، تجار آخرون، إلخ) للفترة التي سبقت ضبط الحاوية.
تحليل المكالمات والرسائل:
للكشف عن وجود أي اتصالات مريبة بين المتهمين وبين من يمكن وصفهم بـ “المنظم” أو “المتسبب” الحقيقي في الجريمة.
النتيجة المتوقعة: (غياب الدليل دليل على الغياب).
إذا أثبت التحقيق انعدام وجود أي اتصال بين كيرلس وأي من المسؤولين عن نقل أو تخزين الأجهزة خلال الفترة الحرجة، فإن هذا يعزز موقفه كتاجر بعيد كل البعد عن عملية التخطيط للجريمة.
العكس صحيح، ظهور اتصالات بين آخرين سيدينهم ويبرئ كيرلس.
المحور الثاني:
الدفاع الموضوعي والدوافع القانونية للبراءة
1. انعدام القصد الجنائي – العنصر المعنوي للجريمة:
· الأساس القانوني:
المادة 60 من قانون العقوبات تنص على: “لا جريمة بدون خطأ”. والمادة 41 تُعرف الجريمة بأنها “كل فعل أو امتناع يُقرره القانون ويعاقب عليه”.·
التطبيق في القضية:
لإثبات الجرم، يجب على الادعاء إثبات أن كيرلس علم بأن هذه الأجهزة مسروقة أو مهربة، أو أنه تغاضى
عمدًا عن التحقق من مصدرها المشبوه.
· دفاعنا:
كيف لشخص أن يعلم وهو قد حصل عليها من خلال قنوات تجارية ظاهرها القانون؟
يقدم الدفاع مستندات (فواتير – إيصالات – تعاقدات) تثبت أنه تعامل مع موردين عاديين، مما ينفي علمه بأي مخالفة.
الجهل بواقع الحال هو دفاع قوي هنا.
2. حسن النية والحيازة المشروعة:
· الأساس القانوني:
المادة 86 من قانون التجارة والمادة 327 من القانون المدني، اللتان تحميان من يقتني بضاعة بحسن نية.
التطبيق في القضية:
يثبت الدفاع أن كيرلس دفع قيمة عادلة للبضاعة، وهو ما يتناقض مع سلوك من يعلم بأن البضاعة مسروقة (حيث يتم الشراء عادة بثمن بخس).
تقديم كشوف الحسابات البنكية لإثبات تحويل القيمة المالية الكاملة هو دليل مادي على حسن نيته.
3. دور كيرلس كضحية وليس كمجرم:·
الدفاع: إذا ثبت أن هناك تلاعبًا، فإن كيرلس هو الضحية الأولى لهذا التلاعب
حيث دفع أموالاً مقابل بضاعة قد يتم استردادها منه دون تعويض.
هذا الوضع يختلف جذريًا عن وضع الفاعل الأصلي للجريمة.
بناء عليه العدالة لا تعني إدانة شخص لإرضاء الرأي العام، بل تعني كشف الحقيقة كاملةً وبأدلة قاطعة.
نحن لا نطلب الحماية من العقاب، بل نطلب تطبيق القانون بكل حرفيته للوصول إلى هذه الحقيقة.
لذلك، يطلب الدفاع من سيادتكم:
1. إصدار أمر فوري بتشكيل لجنة فنية متخصصة لتتبع المسار الكامل للأجهزة تقنيًا وماديًا.
2. إصدار أمر بتحليل بيانات الاتصالات (CDR) لجميع المشتبه بهم المرتبطين بالقضية.
3. استدعاء واستجواب جميع الأفراد المسؤولين عن نقل وتخزين وتسليم هذه الأجهزة من جانب الوزارة .
4. تحديد المسؤولية الحقيقية بناءً على الأدلة الفنية التي ستكشفها هذه الإجراءات. (فقط حينها)
ستتحقق العدالة بمفهومها الصحيح، وستثبت براءه كيرلس حشمت، بإدلة لا تقبل الجدل، أو ستظهر الحقيقة كاملةً للجميع.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
