واصف ماجد
في مساء التاسع من سبتمبر، وفقًا للتقويم الميلادي، الموافق الرابع من نسيء بالتقويم القبطي، يبدأ الاحتفال بما يُعرف شعبيًا بين الأقباط بـ “ليلة سيدي العريان”، وهي صلاة رفع بخور عشية العيد الذي يوافق في صباح اليوم التالي (10 سبتمبر – 5 نسيء) تذكار نياحة القديس العظيم الأنبا برسوم العريان.
ورغم أن التسمية ذات طابع شعبي، وليست مصطلحًا طقسيًا رسميًا، فإنها متجذّرة في وجدان الأقباط،
ومستمدة من نصوص الكنيسة نفسها، حيث ترد في ذكصولوجية القديس عبارة:
“اطلب من الرب عنا يا سيدي الأب الناسك أنبا برسوم العريان ليغفر لنا خطايانا”.
ومن ثم درج الشعب على إطلاق لقب “سيدي” على القديس، تمامًا كما يُقال “باشويس أبؤرور جورجيوس”
أي “سيدي الملك جورجيوس”، أو كما أن كلمة “مار” التي تسبق أسماء القديسين تعني “سيدي”.

دير الأنبا برسوم العريان 
دير الأنبا برسوم العريان
طقس العشية والزفة
في هذه الليلة، تقام صلاة رفع بخور عشية وسط حضور شعبي واسع في دير الأنبا برسوم العريان
بالمعصرة – حلوان، حيث عاش القديس وتنيح ودفن. وبعد صلاة “إفنوتي نان” (يا الله ارحمنا)
التي يتلوها الكاهن أمام الهيكل قبل أوشية الإنجيل، يبدأ الشمامسة في ترتيل لحن “كيرياليسون”
(يا رب ارحم)، لتنطلق الزفة الكبرى:
يتقدم الشمامسة بالصليب والرايات المزيّنة بصورة القديس.
يحمل الأسقف – الأنبا ميخائيل، أسقف حلوان والمعصرة ورئيس الدير – البخور أمام أيقونة القديس ويطوف بها داخل الكنيسة وخارجها.
يرافقه كهنة الإيبارشية في دورة شاملة تغطي أرجاء الدير.
ومن أبرز ما يميز هذه الليلة، أن الأسقف مع الكهنة يتوجهون إلى قبر القديس الرخامي، حيث يضعون الحنوط والأطياب عليه تكريمًا لذكراه.
ثم يُجمع هذا الحنوط في وعاء خاص، ليُستخدم لاحقًا في لصق صور صغيرة للقديس تُوزع على الزائرين طوال العام كبركة روحية.
قداس العيد والسنكسار
في صباح اليوم التالي، يُقام قداس العيد بحضور غفير.
وخلاله يُقرأ نص تذكار نياحة القديس من السنكسار، كتاب سير القديسين والتذكارات الكنسية.
وهنا تبرز عقيدة أساسية لدى الكنيسة القبطية: لا يُحتفل بميلاد أي إنسان، مهما بلغت قداسته
باستثناء السيد المسيح له المجد، والقديسة العذراء مريم، والقديس يوحنا المعمدان
الذي وصفه الإنجيل بأنه “أعظم من نبي” (لو 7:28).
أما باقي القديسين، فتُقام أعيادهم في يوم نياحتهم أو استشهادهم، باعتبار ذلك اكتمال جهادهم ودخولهم المجد السماوي.
لماذا لُقب بالعريان؟
يشيع بين الناس أن لقب “العريان” جاء بسبب قِلّة ملابسه وتمزق ثيابه نتيجة نسكه، لكن هذا التفسير لا يصمد وحده.
فهناك قديسون آخرون عاشوا شبه عراة، مثل الأنبا بولا أول السواح، والأنبا نفر السائح، والأنبا رويس، ولم يُعرفوا بهذا اللقب.
الرأي الأدق يستند إلى صورة ما زالت موجودة بجوار مغارة القديس في كنيسة أبي سيفين بمصر القديمة
وقد كُتب أسفلها: “القديس العظيم الأنبا برسوم العريان من الرذائل المكتسي بالفضائل”.
وبمرور الزمن، اختصر الشعب العبارة إلى “الأنبا برسوم العريان”، فصار اللقب شائعًا.
ومن ثم فإن المعنى اللاهوتي هو أن القديس كان عريانًا من الرذائل ومكتسيًا بالفضائل، لا مجرد خلوه من الثياب.
سيرة القديس
وُلد برسوم سنة 1257م لأسرة كريمة، وكان والده كاتبًا لدى شجرة الدر، وهو منصب يعادل الوزير حاليًا.
بعد وفاة والده، طمع خاله في ثروته، فتركها له برسوم طواعية، واعتزل في كنيسة أبي سيفين
بمصر القديمة، حيث أقام في مغارة صغيرة عشرين عامًا في صلاة وصوم وعبادة.
ومن أبرز المواقف في تلك الفترة، أنه تقاسم المغارة مع ثعبان ضخم. ورغم تحذيرات الناس
رسم عليه الصليب وصلى، فعاش معه بلا أذى طوال عشرين سنة، في قصة تُظهر سلطانه الروحي.
عقب ذلك، وفي ظل اضطهاد الوزير الأسعد شرف الدين في أواخر سلطنة خليل بن قلاوون
غادر مغارته وجاء إلى منطقة المعصرة بحلوان، حيث أقام بدير شهران
(المعروف اليوم بدير الأنبا برسوم العريان) حتى نياحته في 10 سبتمبر 1317م، عن نحو ستين عامًا.
رواية التعليم
من القصص المأثورة عنه، زيارته لمعلم أطفال يُدعى مكين، كان قد سئم مهنة التعليم. فسأله القديس:
“إذا أراد أحد أن يبني كنيسة مثل أبي سيفين، كم يحتاج من مال وجهد؟”، فأجاب المعلم: “مال كثير
ولا يستطيع شخص واحد أن يقوم به”.
فرد القديس: “إذا حفظ الطفل عندك الصلوات وصلى بها في الكنيسة، كانت مكانته عند الله أعظم
ممن يبني الكنائس.
لأن صناعة التعليم أفضل من سائر الصناعات”. فعاد مكين إلى خدمته فرحًا.
دير شهران في المصادر
تعددت الإشارات التاريخية إلى دير شهران:
أبو المكارم ذكر أن الدير جُدد على يد راهب يُدعى بيمن، وكان به بستان ونخيل ومزارع، وكان الحاكم بأمر الله يزوره للتنزه.
المقريزي أشار إليه باسم “دير شعران”، وذكر أنه كان يُعرف قديمًا بدير مرقوريوس.
الراهب الدومنيكاني فانسليب وصفه في القرن السابع عشر بأنه “دير الطوباوي برسوميوس” المدفون هناك.
الباحث الإنجليزي مكفرسون تحدث في كتابه “الموالد في مصر” عن شعبية مولده بين المسلمين والأقباط
حتى أن بعض المسلمين كانوا يلقبونه “سيدي محمد العريان”.
المولد الشعبي
مع مرور القرون، صار المولد الشعبي للقديس مناسبة سنوية بارزة. يتقاطر الزوار، مسلمون وأقباط
إلى الدير، وتعلو الهتافات: “عم يا عريان يا طب التعبان” و*”هز النخلة يا عريان”*.
ويؤمن البعض بسلطان القديس على الثعابين، استنادًا إلى قصته مع الثعبان في مغارته.
كما يعتقد آخرون بظهوراته في يوم عيده، ويستدلون على ذلك باهتزاز نخيل الدير، في إشارة رمزية
إلى حضوره.
ومن الطريف أن المولد الشعبي كثيرًا ما يُتعامل معه كأنه احتفال بميلاد القديس
بينما الحقيقة أن الكنيسة لا تحتفل بميلاد القديسين كما سبق بيانه، بل بذكرى نياحتهم.
روايات عن الظهور
الرحالة الإنجليزي س.ه. ليدر روى في كتابه “أبناء الفراعنة المحدثون” شهادة أحد الأقباط المتعلمين
الذي حضر مع سبعة من أصدقائه عيد العريان في عهد البابا كيرلس الخامس.
وقد شككوا أولاً في ظاهرة الظهور، لكنهم رأوا جميعًا رؤية واضحة في القبة أثناء القداس،
الأمر الذي غيّر قناعاتهم.
كما روت والدة الشاهد أن رداءً وضعته على نافذة القبة احترق لحظة الظهور، وما زال بعض الأقباط يحتفظون بقطع منه.
رعاية الدير وأساقفته
شهد الدير رعاية متتابعة من الأساقفة:
تولى الأنبا بولس رعاية الإيبارشية والدير في مرحلة سابقة.
خلفه الأنبا بيسنتي، الذي اهتم بتطوير الدير معماريًا وروحيًا.
بعد مرض الأنبا بيسنتي وتجميد اختصاصاته، أُوكل الإشراف إلى الأنبا مرقس مطران شبرا الخيمة.
عقب نياحة الأنبا بيسنتي، عُيّن الأنبا ميخائيل أسقفًا لحلوان والمعصرة ورئيسًا للدير
ومنذ تجليسه، أولى الدير اهتمامًا خاصًا ليبقى مركز إشعاع روحي في الإيبارشية.
بين الطقس والواقع الشعبي يجمع عيد الأنبا برسوم العريان بين بُعدين متكاملين:
البعد الكنسي:
حيث يُحتفل بالعشية والقداس وقراءة السنكسار وتطييب القبر.
البعد الشعبي:
حيث يقام المولد وتختلط فيه مشاعر المسلمين والأقباط، في مشهد فريد من التسامح المصري.
وهكذا تبقى “ليلة سيدي العريان” رمزًا مزدوجًا: للطقس الكنسي الموروث، وللوجدان الشعبي المتدفق
يجمعان في آن واحد بين الإيمان العميق والعاطفة الصادقة
جريدة الأهرام الجديد الكندية
