الأربعاء , يناير 21 2026
دير مارجرجس

مارجرجس.. الفارس الذي هزم التنين واحتفظ بمحبته في قلوب المصريين

واصف ماجد

تشهد محافظة الأقصر هذه الأيام أجواء استثنائية مع انطلاق الاحتفالات السنوية بدير الشهيد العظيم مارجرجس بالرزيقات غرب الأقصر، والتي تبدأ في العاشر من نوفمبر الجاري

وتستمر حتى السادس عشر من الشهر نفسه،

وسط تأمين مكثف وخدمات أمنية على مدار الساعة لخدمة الزوار الذين يتوافدون بالآلاف

من مختلف محافظات مصر.

تأتي هذه المناسبة تزامنًا مع عيد تكريس أول كنيسة على اسم الشهيد مارجرجس بمدينة اللد بفلسطين

وهو عيد ذو مكانة خاصة في التقويم الكنسي، يرمز إلى بدء تكريم القديس في التاريخ المسيحي.

أجواء الرزيقات.. روحانية وصعيدية معًا

منذ مطلع نوفمبر بدأت حركة التخييم خارج أسوار الدير استعدادًا لاستقبال الزوار، على أن يُسمح بالدخول الكامل إلى داخل الدير مع انطلاق النهضة الرسمية يوم 10 نوفمبر.


وقد أكدت إدارة الدير والجهات الأمنية منع دخول أي شخص يحمل عصا أو طبلة إلى داخل الدير

حفاظًا على الأمن وسلامة الحضور.

ويشرف على تنظيم الاحتفالات اللجنة البابوية برئاسة نيافة الأنبا مرقس مطران شبرا الخيمة

والنائب البابوي للدير، لضمان سير الفعاليات في أجواء منظمة وآمنة.

تتضمن الفعاليات اليومية صلوات القداسات، وزفة أيقونة الشهيد مارجرجس في ساحة الدير

بمشاركة المئات من الزائرين الذين يرفعون صلواتهم وينشدون تراتيلهم وسط أجواء من البهجة الإيمانية.


وتحمل الزفة مشهدًا يتكرر كل عام: أيقونة فارس يمتطي جوادًا أبيض، يرفع حربة تطعن تنينًا أسود ضخمًا

وخلفه أميرة تتابع المشهد — صورة يعرفها كل المصريين، لكنها تحمل من المعاني أكثر مما يبدو في ظاهرها.

قصة الأيقونة.. من الأسطورة إلى الرمز

أيقونة مارجرجس ليست لوحة أسطورية كما يتصور البعض، بل عمل فني يحمل رسالة رمزية وإنسانية عميقة.

فالتنين الذي يطعنُه القديس بالحربة هو رمز للشر والخطيّة والظلم، وهو صورة لكل ما يواجه الإنسان

في حياته من ضعف أو فساد أو خوف.

أما الأميرة التي تظهر في الخلفية، فترمز إلى الكنيسة أو النفس البشرية التي تتحرر

من الشر بفضل الإيمان والشجاعة.

والفرس الأبيض يشير إلى النقاء والنصرة، بينما تأخذ الحربة شكل الصليب لتؤكد أن القوة

ليست من الإنسان بل من الله.

بهذه الرموز تحكي الأيقونة القصة الأعمق في حياة كل إنسان: أن الخير مهما بدا ضعيفًا

يستطيع أن يغلب، وأن من يواجه الظلم بثبات يصير فارسًا في عيون الناس.

ولهذا السبب تحظى “زف الأيقونة” في دير الرزيقات بمكانة خاصة، لأنها تمثل

في وجدان المشاركين انتصار الإيمان على الخوف، والأمل على اليأس، والحق على الباطل.

من دقلديانوس إلى الرزيقات

مارجرجس نفسه شخصية تاريخية موثقة. وُلد في القرن الثالث الميلادي وكان قائدًا في الجيش الروماني

عُرف بشجاعته واستقامته، لكنه رفض أوامر الإمبراطور دقلديانوس بعبادة الأصنام، فتعرض

للتعذيب حتى نال إكليل الشهادة.

منذ ذلك الحين صار أحد أشهر الشهداء في المسيحية، وتعددت الكنائس والأديرة التي تحمل اسمه، في مصر والعالم.

أما دير مارجرجس بالرزيقات، فيُعد من أكبر الأديرة في الجنوب، وقد بُني بين عامي 1850 و1870 ميلادية

بينما بدأت أولى الاحتفالات الكبرى باسمه عام 1975م تحت إشراف الأنبا أغاثون النائب البابوي آنذاك.

رمز يتجاوز حدود الدين

المفارقة الجميلة أن محبة مارجرجس لم تقتصر على المسيحيين وحدهم، بل امتدت إلى وجدان المصريين جميعًا.


ففي نهضة الرزيقات، ترى الزائر المسلم يقف بجوار المسيحي في مشهد بسيط لكنه عميق الدلالة

إذ يجمع بين الناس حبهم للفارس الذي صار رمزًا للشجاعة والوفاء ومقاومة الظلم.


ربما يختلف البعض في التفاصيل، لكن الجميع يتفقون على المعنى: أن الإيمان بالحق

والشجاعة في الدفاع عنه هما ما يصنعان القداسة في نظر البشر قبل السماء.

أيقونة مصرية خالدة

هكذا تبقى أيقونة مارجرجس جزءًا من الذاكرة البصرية للمصريين، ووجهًا من وجوه الإيمان الشعبي

الذي يجمع بين الدين والفن، وبين التاريخ والرمز.

وفي كل عام، حين تُرفع الأيقونة في زفة الرزيقات، لا يراها الناس مجرد لوحة من ألوان، بل صورة لمصر نفسها

بلد لا يزال يعرف كيف يحوّل الأسطورة إلى معنى، والرمز إلى حياة.

شاهد أيضاً

توفيق عكاشة يساند شيرين عبد الوهاب ويوجه لها دعوة للزيارة في مزرعته

وجه الإعلامي توفيق عكاشة دعوة للفنانة شيرين عبد الوهاب لزيارته في مزرعته بمحافظة الشرقية، وذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.