تشهد مواقع وصفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بالجماعات المحظورة، ومعها عدد من صفحات ما يُسمّى بتيار الإسلام السياسي المدعوم بما يعرف باللجان الإلكترونية، هجومًا على مصر والحكومة المصرية
بسبب قرار ترحيل صحفي سوري يُدعى سامر مختار.
وخلال ساعات قليلة تحول اسم سامر مختار إلى “ترند”، وبدأت موجة من التعليقات والبيانات التي تستنكر وتدين ما قامت به الجهات الأمنية المصرية.
يُقال إن سامر مختار يعيش في مصر منذ نحو 14 عامًا، وقد تزوج من الصحفية المصرية إيمان عادل
وأنجبا طفلًا.
وتشير تقارير متداولة إلى أن الطلاق وقع بينهما منذ فترة ، ومع ذلك نشرت إيمان عادل مقطع فيديو
تطالب فيه الأجهزة الأمنية المصرية بتجديد إقامة سامر مختار باعتباره والد طفل مصري.
وبحسب ما تم تداوله، كانت هناك اتصالات ومداولات بين سامر مختار والجهات المختصة انتهت بتوجهه بنفسه
إلى مقر الجهات المعنية من أجل تجديد إقامته.
ومن هنا بدأت القصة تأخذ منحى مختلفًا، فقد دخل سامر إلى مقر الجهات الأمنية، لكنه لم يخرج في الوقت
الذي توقعه البعض.
ومع تأخر خروجه بدأت بعض الصفحات في نشر روايات عن اختفائه قسرًا أو تعرضه لما سموه “خطفًا”.
اللافت أن هذه الروايات انتشرت بسرعة كبيرة وبصيغة متشابهة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل
عما إذا كانت الحملة الإعلامية قد أُعدّت مسبقًا وكانت تنتظر فقط لحظة مناسبة للانطلاق.
لاحقًا ظهر سامر مختار في مطار القاهرة حيث كان يجري ترحيله إلى لبنان تمهيدًا لعودته إلى بلده.
وهنا اشتعل الجدل مرة أخرى، ليس بسبب مزاعم الاختفاء، بل بسبب قرار الترحيل نفسه.
وهنا يبرز سؤال مهم: من يملك حق انتزاع حق سيادي من دولة بحجم مصر؟
من يملك أن يمنع دولة ذات سيادة من أن تجدد الإقامة لمن تشاء أو ترحّل من تشاء وفقًا لقوانينها
واعتبارات أمنها القومي؟ مصر دولة تواجه تحديات أمنية وجغرافية معقدة في الغرب والشرق والجنوب، وحتى من جهة البحر حيث تبقى التهديدات قائمة.
ومن ثم فمن الطبيعي أن تتخذ ما تراه مناسبًا للحفاظ على أمنها واستقرارها.
لقد فتحت مصر أبوابها للأشقاء السوريين واستقبلتهم بكل ترحاب.
وتشير تقديرات عديدة إلى أن عدد السوريين في مصر وصل إلى نحو ثلاثة ملايين شخص، يعيشون بين المصريين دون مخيمات أو عزلة، بل كجزء من المجتمع، يعملون ويدرسون ويقيمون مثلهم مثل المصريين.
ويبلغ عدد المسجلين منهم لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة نحو 139 ألف شخص، وهم الذين يملكون صفة لاجئ ولهم حق البقاء في مصر إلى حين إعادة توطينهم في بلد بديل.
لكن ما حدث في سوريا منذ 8 ديسمبر غيّر كثيرًا من المعادلات، إذ وصل إلى الحكم في دمشق نظام إرهابي
متطرف يحمل عداءً واضحًا لمصر ولنظام الحكم فيها، خاصة أن مصر كانت الدولة التي أجهضت مشروعهم للسيطرة على الحكم وإقامة ما يسمونه دولة الخلافة.
ومنذ ذلك التاريخ، لا تكتفي الأجهزة الأمنية المصرية بمتابعة التطورات في المنطقة فحسب، بل تراقب أيضًا ما يجري على الأرض وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
فالأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات في مصر تتابع بدقة ما يُكتب ويُنشر، بل ترصد كل كلمة تُكتب على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها تكشف الميول والاتجاهات والانتماءات.
كما تُستكمل هذه الصورة بمعلومات يتم تجميعها من على الأرض نتيجة لتواجد هؤلاء داخل مصر
وتعاملهم اليومي داخل المجتمع.
ومن خلال هذه المعطيات مجتمعة تستطيع الدولة تقييم توجهات الأفراد وتحديد ما إذا كان أي منهم يمثل خطرًا
على الأمن القومي المصري أم لا.
وفي أوروبا أيضًا اتخذت بعض الدول إجراءات تتعلق بملفات اللجوء السوري، بما في ذلك تعليق النظر
في بعض طلبات اللجوء للسوريين السنة ومطالبة بعضهم بالعودة إلى بلادهم، بل وشهدت بعض الحالات
عمليات ترحيل، دون أن يثير ذلك الضجيج نفسه الذي يثار عندما تتخذ مصر قرارًا مماثلًا.
من المهم التذكير بأن مصر لم تعامل السوريين كلاجئين في مخيمات، بل عاشوا وسط المجتمع المصري، وفتح لهم المصريون قلوبهم وأبوابهم.
كما أن مصر تدرك طبيعة التركيبة الاجتماعية داخل المجتمع السوري بين السنة والأقليات، ولذلك فإن القرارات لا تُتخذ بشكل عشوائي، بل وفق تقييمات دقيقة لكل حالة.
وفيما يتعلق بحالة سامر مختار، فإن الرجل عاش في مصر 14 عامًا، وإذا كان بالفعل يرى أن بلده قد “تحررت”
وأن الأمور تغيرت فيها، فلماذا لا يعود إليها ليساهم في بنائها ؟ خاصة إذا كان – كما يقول البعض – من جماعة لبّت لبّت أو من المؤيدين للسلطة الجديدة هناك.
فإذا كان النظام الجديد في دمشق قد أصبح الآن هو من يحكم ويقرر، فلماذا لا يعود أنصاره إليه
ويشاركوا في إعادة إعمار بلدهم بدلًا من تحويل كل واقعة فردية إلى قضية سياسية وحملة إعلامية ضد مصر؟
وفي النهاية، فقد استضافت مصر الأشقاء السوريين في بلدهم الثاني مصر خلال سنوات الحرب القاسية، وفتحت لهم أبوابها وقلوب شعبها.
أما اليوم، وبعد أن انتهت الحرب وعاد من عاد إلى بلده، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: لماذا لا يعود من يقول
إن بلده قد تحررت واستقرت؟ أما أبناء الأقليات السورية الذين يواجهون خطر التطهير العرقي على يد عصابات الجولاني، فهم ضيوف على مصر إلى أن يزيح الله الغمة عن سوريا وشعبها، وتعود سوريا دولة مدنية
تتسع لكل أبنائها، وتجمع كل طوائفها، وتتوقف فيها المجازر ضد الأكراد والعلويين والدروز والمسيحيين.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
