السبت , مارس 21 2026
قداسة البابا قبل الرهبنة

البابا تواضروس والحرس القديم .. مَن ينتصر ؟!

الكاتب : مايكل عزيز البشموري
منذ إعتلائه كرسى القديس مرقص الانجيلي ، سعى قداسة البابا تواضروس الثانى ، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية ، على تطوير المنظومة الكنسية قدر المستطاع ، لكى تصبح الكنيسة كيان مؤسسى لا يحكمه الفرد الواحد ، بل يقودها وينظم شئونها جماعة المؤمنين ، لتتواكب الكنيسة مع معطيات العصر الحديث ، ولتعمل بروح ورسالة الإنجيل .

لكن تأتى الرياح بما لا تشتهيه السفن ، فبدلاً من أن يعمل الاساقفة القدامى بالكنيسة ، على مساعدة أبيهم الجديد ، لتولى رعاية شعبه دون معوقات ، وجدنا بعض من هؤلاء الآباء يتمرد بشكل ملحوظ على راعيهم ، وظهر هذا الامر جلياً من خلال وسائل السوشيال ميديا ، عبر تداولنا لإخبار مثيرة تخص الشأن الكنسي ، و تنم تلك الاخبار على حالة التمرد الواضح التى وصل اليها هؤلاء الأبـاء .

ومن منظور الكثيرين يتعامل البعض بنوعاً من القلق و الريبة ، حيال المعارضة الفجة ، الذى يرونها من قبل رجال الحرس القديم ، الذى كانوا يشكلون ذات يوم ، مراكز القوي داخل الكنيسة القبطية ، فباتوا يلعبون الان دوراً سلبى أمام نهضة الاقباط بشكل ًعام وكنيستهم بشكل ًخاص .

* ما معنى مصطلح ( الحرس القديم ) ؟

الحرس القديم ، هو أسم كان يطلق على عناصر النخبة من المخضرمين في الحرس الإمبراطوري الفرنسي لنابليون بونابرت ، وكان يعتبر أكثر تشكيل مرموق في جيش نابليون .

وقد شكل الحرس القديم من الجنود المخضرمين الذين خدموا بالجيش الفرنسي ، منذ بدء الحملات العسكرية الأولى لنابليون ، وتمتع هذا الحرس بإمتيازات عسكرية ومدنية عديدة ، سواء مادياً أو إجتماعياً ، ولم يكن أحد يستطيع معارضتهم عما يفعلوه ، وكان لهم حق التعبير عن الرأي دون مساءلتهم أو فرض قيود عليهم .

* نهاية الحرس القديم :

وبعد وفاة القائد الفرنسي نابليون بونابرت تصاعد نفوذ هذا الحرس بشكل كبير ، حينها قرر الملك الفرنسي لويس الثامن عشر ، إلغاء الحرس الإمبراطوري بأواخر عام 1815 م ، و تم حل كل أفواج الحرس القديم ، وانتهى الأمر بهذا الحرس بالانخراط في أمكان مختلفة بعد حل وحداتهم العسكرية ، وقد تم تجنيد بعضهم في جيش الملك ، وأغلبهم عاش حياته وهم تحت مراقبة الشرطة الملكية .

*الاستخدام الحديث لعبارة الحرس القديم :

تستخدم عبارة “الحرس القديم” في الوقت الحاضر في فرنسا عند الحديث عن الأتباع القدامى لسياسي معين وهي تحمل معنى أقل ما يقال عنه أنه يدل على التحقير ، ويتم أيضا تداول هذه العبارة بكثرة في أوساط الصحفيين السياسيين .

وكثر في الآونة الأخيرة استخدام عبارة «الحرس القديم» خاصة في الدول العربية التي تشهد ثورات شعبية ، ويقصد بهذا التعبير كبار المسئولين الذين ظلوا فترة طويلة في العمل السياسي حيث عرف عنهم عدائهم ورفضهم لمشاريع الإصلاح وإقصاء الجيل الصاعد من ممارسة العمل السياسي – المصدر : ويكيبيديا .

وتم استخدام وصف «الحرس القديم» داخل الكنيسة القبطية ، للدلالة على الاساقفة ورجال الاكليروس الذين تبعوا المتنيح البابا شنودة الثالث ، وللتعبير عن مدى العداء الشديد الذي يكنه رجال هذا الحرس ، تجاه المشاريع الإصلاحية التى يقوم بها حالياً قداسة البابا تواضروس الثانى .

وهنا يأتى الخوف من حدوث إنقسام داخل الصف الكنسي الواحد ، بسبب سطوة هذا الحرس ومحاولة بسط نفوذهم مجددا على الكنيسة القبطية ، فالمتتبع لمجريات الاحداث ، يتبين له ظهور تيارين متضادين داخل المؤسسة الكنسية ، أحدهما متشدد منغلق ، ينتمى إليه رجال الحرس القديم ، والاخر معتدل منفتح ، وينتمى اليه أصحاب الفكر المعتدل ، وبدأ الصراع مبكراً بين التيارين بعدما تولى البابا تواضروس الثاني مهامه الرعوية ، والذى بدوره تبنى التيار المعتدل المنفتح على الجميع ، مما أدي لتزايد وتيرة الهجوم المتواصل عليه من قبل التيار المتشدد ، فأصحاب التيار الاول تبنوا الطائفية والمذهبية ، وقاموا بالغلو فى العقيدة الارثوذكسية ، التى جعلوا منها أداةً رئيسية لمخاطبة المسيحيين الارثوذكس ، فتميز هذا التيار بلغته الصدامية مع الأخرين ، مما جعل أصحابه بمعزل عن بقية أبناء الشعب القبطي ، ليتقوقع أصحابه فى بؤرة ودائرة معينة ، ليغردوا بمعزل عن الكنيسة وشعبها .
وبالنسبة للتيار الثانى فهو يتخذ من الاعتدال واللاطائفية نهجاً وأسلوباً له ، بشكل مغاير عن التيار المتشدد ، وأصبح أصحاب هذا التيار يكافحون لإثبات وجودهم داخل المشهد الكنسي بصفة عامة ، خاصتاً بعد الهجوم الممنهج الذى يمارس عليهم من قبل المتشددين الارثوذكس بين الحين والاخر .

يشنُ الان رجال الحرس القديم ، حملة ممنهجة ضد قداسة البابا تواضروس الثانى لتشوية صورته أمام المؤمن المسيحى البسيط ، لمحاولة إسقاطه عن كرسيه ، وإبعاده عن منصبه البابوي قسراً ، مستخدمين فى ذلك أبواقهم الاعلامية المتطرفة عبر صفحات التواصل الاجتماعى (الفيس بوك) ، وقنوات الميديا الخاصة التابعة لهم ، ليصل ببعض تلك الصفحات والقنوات ، المطالبة علناً بمحاكمة البابا تواضروس ، وعزله من منصبه البابوى ؛ مستغلين فى ذلك طول أناة البابا وصبره عليهم .

” لقد أصبح اللعب الان على المكشوف ، وما كان ينفيه البابا سابقاً ، بعدم وجود ما يسمي رجال الحرس القديم داخل الكنيسة ، أصبح تعبيراً غير صحيح ، وليس فى صالح البابا الان ، إنكــار هذا الامر بعد اليوم ، خاصتاً فى ظل مشاهدتنا للحشد والاستقطاب الواضح الذى يقوم به ” الحرس القديم ” ضد شخص البابا ” .

ويعتقد أتباع المتنيح طيب الذكر البابا شنودة الثالث ، المنتمين لطبقة الاكليروس والخدام بأنهم فقدوا السيطرة على قيادة الكنيسة ، فهم يرون أنهم قد خسروا ، الامتيازات والاستحقاقات التي حصلوا عليها ، إبان عهد البابا الراحل ، وقد وجد هؤلاء أنفسهم ، أمام بطريرك جديد لا ينتمي لمدرستهم الفكرية التى نشأوا عليها ، فهو جاء بعيداً عن أروقتهم الخاصة ، و يسعي هذا البطريرك جاهداً بالاستقلالية عن هذا المعسكر اليميني ، لإحداث طفرة حقيقية داخل المنظومة الكنسية الارثوذكسية ، وهو الامر الذى رأه رجال الدين هؤلاء ، أنه سيضر بنفوذهم ومصالحهم الخاصة ، فما يفعله البابا الجديد يتعارض فيما أرساه المتنيح البابا شنودة في حياته من تعاليم وقرارات هم يدينون لها بالولاء والطاعة العمياء .

* ومن أبرز العوامل التي أدت إلي المواجهة المبكرة بين الطرفين :

1- إلغاء البابا تواضروس عمل الميرون بالطريقة القديمة ، واستبداله بالطريقة الحديثة .
2- سعي البابا نحو توحيد الاعياد المسيحية (عيدي الميلاد والقيامة) مع الفاتيكان .
3- الانفتاح على الكنائس المسيحية العالمية ، ووصف هذا الانفتاح بالتنوع الجميل .
4- اشتراك البابا تواضروس بالصلاة مع أمراءة أسقف بالكنيسة اللوثرية بالسويد .
5- كتابة لائحة جديدة للاحوال الشخصية للاقباط ، تسمح من خلالها بالطلاق لعدة أسباب مثلما تتبع بقية الكنائس الارثوذكسية الاخرى .
6- هيكلة المؤسسات القبطية والمجلس الملى العام ، الذى يرفض “الحرس القديم” هيكلته .
وكانت تلك البدايات الجريئة التي اتخذها البابا الجديد ، قد أزعجت وبشدة معتنقي (الفكر الشنودي) وجعلت رجال ” الحرس القديم ” يستخدمون أذرعتهم الخاصة ، عبر الاستعانة بخدام كنسيين معتنقين للفكر الشنودي ، لتأسيس صفحات ارثوذكسية عبر الفيس بوك ، وتهدف تلك الصحفات إلي عرقلة أي مجهودات إصلاحية يقوم بها البابا تواضروس بالمستقبل والتحريض علي شخص البابا بإستمرار .

 ومن خلال إستعراضنا لتلك الاحداث يتبين لنا الاتي ” :

1- الصــراع الدائر الان داخل الكنيسة الارثوذكسية هــو صــراع علي النفوذ والسلطة .
2- هناك رغبة مُلحة من جانب التيار المتشدد على تهمييش التيار المعتدل الذي يرأسه البابا تواضروس بوقتنا الحالى .
3- هناك رغبة مٌلحة لإسترجاع ” الفكر الشنودي ” الصدامي الذى حكم الكنيسة طيلة الاربعون عام الماضية .
4- مراكز القوى داخل الكنيسة والممثلين برجال الحرس القديم ، يعملون جاهدين على عرقلة وإفشال الاصلاحات التى ينوى فعلها البابا تواضروس الثانى .
5- هناك مؤامرات حقيقية تدبر لإسقاط البابا وعزله عن شعبه ومنصبه .
علينا الادراك بأن جبهة الممانعة الارثوذكسية التى قد تشكلت ، بعد قيام البابا تواضروس الثانى بتغيير طريقة عمل الميرون القديمة عام 2013 م ، تلك الجبهة ما زالت متماسكه حتى يومنا هذا ، بل وتزيد كل يوما تطرفاً وإنغلاقاً بشكل هستيري ، وجميعنا أيقن من هو الممول والراعى الرسمي لتلك المجموعات المتطرفة ، ومن الذى يدعمها ولصالح من يعملون .
إن خطورة تلك المجموعات تكمن في خطاب الكراهية الذى يتبنوه ، فهؤلاء قاموا عن جهــل على مدار الثلاث سنوات الماضية ، بتشوية صورة وسمعة الكنيسة القبطية وعقيدتها الارثوذكسية بنظر مؤمنيها ، نتيجة الخطاب الديني الطائفي الذي يتبناه هؤلاء المتشددين .

فتلك المجموعات المتطرفة تتشابه فكرياً وأيدلوجياً مع تيار الاسلام السياسي ، الممثل بجماعة الاخوان المسلمين والسلفيين – وهنا – كان يلزم علينا فضح تلك المجموعات وممارستهم العنصرية أمام أبناء الشعب القبطى ، لفضح نواياهم الحقيقية الساعية لعزل قداسة البابا عن شعبه وإيقاف مجهوداته الرامية للاصلاح والتغيير ، ونشكر الله من أعماق قلوبنا ، فإن حملات التوعية هذة ، كتب لها النجاح والتوفيق ، وأدرك أبناء الكنيسة الغيوريين ، الاهداف الحقيقية لتلك الجماعات المتطرفة ، ومن ثم عدم الالتفاف أو الانصات اليهم فيما يقولونه من تحريض ممهنج على شخص قداسة البابا تواضروس .

وهناك طريقة واحدة بسيطة ، للقضاء على ” الحرس القديم ” وأتباعهم ، وتلك الطريقة تكمن فى إقرار البابا بهيكلة المؤسسات المدنية القبطية ، للرقابة على الاساقفة (المزعجين) ، ودعم التيار القبطى العلمانى داخل الكنيسة ، هذا التيار الذى يؤمن بالمشروع الاصلاحى واللاهوتى الذى يتبناه البابا تواضروس الثانى ، والتيار العلمانى لديه مقدرة حقيقية على مجابهة التيارات القبطية المتشددة ، فمحاولة الاعتماد على هذا الفصيل القبطى المعتدل من شأنه منع أي فصيل متشدد يسعى للسيطرة على صناعة القرار داخل الكنيسة القبطية .

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

لكل من يريد أن يفهم الحقيقة دون وسيط كما كتبها الأنبا مكسيموس الأول

نشر دياكون مكارى خطاب للمتنيح ماكس ميشيل أو الأنبا مكسيموس على صفحته الشخصة قال فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.